كتاب عربي 21

موسم الهروب إلى ليبيا!

سليم عزوز
1300x600
1300x600
لا تصدقوا عبد الفتاح السيسي، إذا قال إن دافعه لضرب مدينتي "درنة"، و"الهون"، الليبيتين، راجع إلى عملية تفجير حافلة المنيا، التي كانت تقل عددا من المسيحيين في طريق زيارتهم لأحد الأديرة!.. فالسيسي يكذب!

فمنذ أن قام بانقلابه، وهو يفكر في الهروب إلى الخارج، من بؤس الداخل، صحيح أن الفارق بينه وبين جمال عبد الناصر هو "فرق السماء من العمى"؛ من حيث الكفاءة، واللياقة، وأيضاً من حيث التوجه، إلا أنه دائما يستدعي تجربته ليقوم بتقليدها، وإن كان يبدو ارتجاليا وفوضويا في التصرف، فإن هذا هو الفارق بين "الصورة" و"الأصل"!

ففي الموقف المعادي لحرية الصحافة فإن السيسي يقلد عبد الناصر، وإن افتقد لياقته في تغليف هواه بغلاف وطني، حتى يبدو هذا الموقف أنه وجهة نظر قابلة للأخذ والرد، على العكس من أداء رجل لم يسبق له أن مارس السياسة وقضى حياته، حتى بلغ أرذل العمر، في تمرينات الصباح الرياضية: "ثن، ومد، وتسعة استعد"!

عبد الناصر هرب إلى اليمن، لأن الحروب هي فرصة الأنظمة المستبدة، لإخراس المعارضة، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وبالتالي، لا يليق الحديث عن فشل الحاكم، والجنود بالخارج على الجبهة، في معارك الاستنزاف، حيث المنتصر فيها مهزوم!

ولم تكن تجربة عبد الناصر في اليمن مغرية، فقد مثلت خصما من رصيده، بعد أن وقف المصريون على أن حال الجيش المصري هناك كان لا يسر عدوا ولا حبيبا، وكان تبديد قوة الجيش في حرب الجبال من الأسباب التي أدت إلى هزيمة حرب يونيو 1967!

فكانت حرب اليمين نقطة سوداء في تاريخ عبد الناصر، لا يملك أحد الدفاع عنها بمن في ذلك أنصاره، وهي تجربة لا تغري بالتقليد، لكن ماذا نفعل والمقلد لم ير إلا في الحرب الخارجية، ملاذا آمنا له وهروبا من أوضاع داخلية بائسة، فضلا عن أنه كان يسعى إلى تأجير الجيش المصري في هذه الحرب، لكن دول الرز ولعدم ثقتها الكاملة في توجهاته لم تريد له أن يحضر بكامل قواته كما كان يهدف، فشخص مثل السيسي إذا حضر بشكل كبير في اليمن، فقد يبيع أمن الخليج كله لمن يدفع، سواء كان الدافع له هو إيران، أو عبر الوسيط الحوثي!

لقد مثلت له الساحة الليبية بديلا مريحا، فهو يمتلك المبرر الأخلاقي لعملية الهروب إلى هناك، فالخطر يأتي لمصر من حدودها مع الجارة الليبية، وليبيا يذاع أن "داعش" تعمل بها، فضلاً عن أنه ستمثل بالنسبة له فتحا جديدا بعد أن توقفت الدول الخليجية الداعمة له عن منحه المزيد من "الرز"، والبترول الليبي يثير له اللعاب، وهو لا يملك القدرة على السيطرة على الحقول، إذن فسوف يكون الثمن المريح هو حصوله على نسبة من عائد بيعه ولو كان بمقدار "زكاة الركاز"!

هذا فضلا عن أن هناك دافعا آخرا، يتمثل في أنها معركة بالوكالة، فلأنه مندوب "الولي الفقيه" في أبي ظبي، ولأن الإمارات تتبني قائد الثورة المضادة الجنرال متقاعد "حفتر"، ولها أجندتها في المنطقة، باعتبارها مندوب المستعمر القديم، الذي يسهر على أهدافه وتنفيذ مخططاته بالمال الإماراتي، فإن السيسي يرى أن من مهامه تثبيت أركان حكم "حفتر" ولو بقتل الشعب الليبي كله!

منذ البداية كان السيسي يلف ويدور، بحثاً عن غطاء يمكنه بمقتضاه أن يهرب إلى ليبيا، ولأنه مقلد يفتقد مقومات المجتهد، فإنه ير بالإضافة إلى ما سبق في عملية الهروب هذه، أنه يمكنه أن يحقق مراده في إسكات المصريين الذين يشكون الفاقة، والذين يرفضون مخططاته التي يقوم بها خدمة للمصالح الإسرائيلية على حساب الأمن القومي المصري، ومن التفريط في حصة مصر التاريخية من نهر النيل، إلى التفريط في التراب الوطني، بالتنازل عن "تيران وصنافير" للسعودية وهو تنازل يتم لصالح إسرائيل بتواطؤ سعودي لا تخطئ العين دلالته، وكعربون محبة من محمد بن سلمان، لإسرائيل، لتمرير اختياره ملكاً بقرار من البيت الأبيض!

لقد تمثلت الذريعة الأولى، في مشهد قتل عدد من المصريين المسيحيين في ليبيا على يد من قالوا أنهم من تنظيم القاعدة، وهدد السيسي بالرد على ذلك ببداية الحرب التي يخطط لها، لكن تحذيراً من المجتمع الدولي وصله فتراجع سريعاً.

ثم كانت عملية تفجير حافلة الركاب التي تقل عدداً من المسيحيين، وكان الحديث عن سيارات الدفع الرباعي التي استخدمت لنقل الجناة وتحركهم، وعندما يُذكر هذا النوع من السيارات، فأعلم أن الهدف هو للتأكد أنها استخدمت في طرق وعرة وفي الجبال، وفي المرة الأولى كان ذكرها مرتبطاً باقتحام السجون، عندما كان المقرر هو تعليق الاتهام في رقبة حركة حماس!

وفي هذه المرة، فإن ذكر سيارات الدفع الرباعي للتأكيد أنها قادمة من ليبيا، وكانت داعش جاهزة كما هي العادة ببيان يؤكد مسؤوليتها عن الحادث، ولم تُطالب بتفاصيل إضافية تؤكد أنها بالفعل الجاني، لاحظ أنه رغم حجب السيسي لأكثر من خمسة وعشرين موقعا إلكترونيا منها مواقع مصرية يعمل فيها المئات من الصحفيين المصريين، بحجة مواجهة الإرهاب، إلا أن الموقع المنسوب إلى داعش لم يتم حجبه إلى الآن!

لم تتمكن السلطة من التوصل إلى الجناة في حادث "حافلة المنيا"، ولم تعرف هوية من ارتكب هذا العمل الإجرامي، لكنها علمت بقراءة الفنجان وضرب الودع أنهم قدموا من ليبيا، ولم تحاسب المسؤولين عن حماية الحدود، فكيف وصلوا من هناك إلى المنيا ترافقهم السلامة، دون أن يتم توقيفهم في بلد، ترك فيه الجيش مهامه الأصلية ونزل للشارع يقوم بدور الشرطة، ولا تنس أن حماية الحدود من مهام الجيش، فلماذا لم يعاقب المقصر!

لقد قرر السيسي الانتقام، وعليه تم قصف مدينة "درنة"، فأضحك الثكالى بما فعل، فدرنة طرد ثوارها "مسلحي داعش"، لكن هذا القصف لا يأتي ضد الإرهاب وإنما لتثبيت دعائم حكم "حفتر" بواسطة الجيش المصري، في حرب الثورة المضادة التي لا ناقة للجيش فيها ولا جمل، فدرنة معقل المعارضة لهذه الجنرال الموفد إماراتيا للاستيلاء على مقدرات ليبيا بعد تمكينه من الحكم!

ولم يتوقف القصف على "درنة" وإنما قام عبد الفتاح السيسي بقصف مدينة "الهون" بدون مبرر، إلا أنها الحرب بالوكالة التي يُورط فيها الجيش المصري، ولكي يفتح بابا لـ "الرز" بعد أن أغلقت أبواب الخليج، وهو "رز" يأتي له شخصياً ثم لا يمكن لأحد أن يقتفي أثره ويتتبع خط سيره!

وهذه الحرب التي بدأها السيسي ولن تنته إلا بأمر دولي بأن يتوقف، لم تراع المصريين الذين يعملون في ليبيا والذين يقدرون بثلاثة ملايين مصري، والذي قد يصبحوا أسرى هناك بسبب نزوات عسكري ليس مشغولاً إلا بنفسه، وبتثبيت حكمه، فكان أن اختلق لنفسه دوراً في المخطط الاستعماري الذي يستهدف المنطقة!

الهروب إلى ليبيا لن يفيد السيسي شيئا، فهو يفتقد لأي شعبية في البلاد، وليس أمامه إلا أن يهرب إلى مثواه الأخير فربما وجد حينئذ أحدا يترحم عليه، من باب اذكروا محاسن موتاكم!

إن السيسي صار خطرا على الأمن القومي المصري، وكل ساعة يقضيها في الحكم تمثل إلحاقا للأذى بالوطن وبمقدراته ومصير شعبه.

فأسقطوه يرحكم الله، لأن البديل هو إسقاط الوطن بأكمله.
التعليقات (0)