قضايا وآراء

أي مصلحة للانتقال الديمقراطي من بقاء النهضة في الحكومة (1)؟

عادل بن عبد الله
1300x600
1300x600

خلال فترة الترويكا، كان من بين المحاور الاتصالية التي قامت الدعاية السياسية لما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية"؛ ضرورةُ الانتقال من "المؤقت" (الذي ارتبط بالتأسيسي وبكل ما سبق انتخابات 2014 الرئاسية والتشريعية) إلى "الدائم" (الذي يراد له الارتباط بقوى ومفاهيم لا علاقة لها بالثورة وشعاراتها إلا "صوريا"). وبصرف النظر عن مختلف الدلالات التي أسندها "الديمقراطيون" لمفهوم"المؤقت"، فإن تلك الدلالات لم تنفصل عن معطى سياسي جوهري؛ سيكون له تأثيرات كبرى على المسار الانتقالي برمّته: إنه التناقض المطلق والنهائي الذي فرضته مكوّنات "العائلة الديمقراطية" مع "الإسلام السياسي"، وأدارته بمصطلحات "الصراع الوجودي" ضد حركة النهضة أساسا، بل ضد أغلب استحقاقات الثورة ومخرجات الهيئات التأسيسية، وليس ضد الاستبداد بلحظتيه الدستورية والتجمعية، أو ضد ورثة تلك البنية التسلطية بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011.

في بنيته العميقة، كان مفهوم "المؤقت" يعكس وعيا سياسيا "مأزوما"، أو وعيا سياسيا يعيش حالة انفصام وتناقض ذاتي؛ لم يكن من اليسير تجاوزها نظرا إلى ثقل الموروث الاستبدادي، حتى داخل عقول أشرس معارضيه. إنّ المجلس التأسيسي أو تجربة الترويكا (باعتبارهما لحظة "الشراكة الطوعية" بين العلمانيين والإسلاميين، لا لحظة التصادم أو الاحتراب أو الشراكة الصورية) هما فعلا لحظة "مؤقتة"، إذا ما نظرنا إليهما من زاوية الانتقال الديمقراطي واستحقاقاته المؤسساتية، ولكنهما لحظة "تأسيسية" ينبغي العمل على استدامة"روحها" أو"فلسفتها" إذا ما نظرنا إليها من زاوية "الجمهورية الثانية"، ومن زاوية العلاقة الأكثر براغماتية والأقل كلفة بين الفاعلين الجماعيين من الإسلاميين والعلمانيين.

 

لم تدّخر "القوى الديمقراطية" جهدا في شيطنة التجربة التأسيسية "للتوافق"، وعملت بكل أذرعها السياسية والإعلامية والنقابية والمدنية على جعل التطبيع مع الإسلام السياسي


ولكنّ مكوّنات "العائلة الديمقراطية" كانت ترى "المؤقّت" في الشراكة ذاتها بين النهضة وحليفيها من العلمانيين (أي حزبي التكتل والمؤتمر)، وكانت تريد أن تنقلب على تلك اللحظة التأسيسية للارتكاس إلى لحظة مشتهاة تنتفي فيها الحاجة إلى منطق الشراكة، بل قد تنتفي فيها الحاجة بصورة "ديمقراطية" أو انقلابية) إلى النهضة ذاتها، سواء داخل الحكم أو المعارضة. ولذلك لم تدّخر "القوى الديمقراطية" جهدا في شيطنة التجربة التأسيسية "للتوافق"، وعملت بكل أذرعها السياسية والإعلامية والنقابية والمدنية على جعل التطبيع مع الإسلام السياسي، الذي انتقل من مرحلة "البديل" إلى مرحلة "الشريك"، مجرد مرحلة "مؤقتة"، لا مرحلة تأسيسية لحقل سياسي جديد، بل مرحلة تأسيسية لعقل "حداثي" تتوفر فيه أبسط مقومات الحداثة؛ من نقد ذاتي ومغايرة، وقبول بالاختلاف من جهة أولى، وغير مرتبط – من جهة ثانية - تكوينيا أو وظيفيا بمنظومة الاستبداد وورثتها بعد الثورة.

 

كان "الدائم" عند تلك العائلة يجد نموذجه المثالي في الأساطير المؤسسة "للنمط المجتمعي التونسي" بلحظتيه الدستورية والتجمعية: تحديث قسري وفوقي وغير تفاوضي

كان "المؤقت" عند أغلب مكوّنات "العائلة الديمقراطية" مرتبطا بوجود النهضة في الحكم، ووجود من يقبل بمبدأ الشراكة معها، بل كان مرتبطا حتى بوجودها في المعارضة أو في الحقل السياسي القانوني.. بينما كان "الدائم" عند تلك العائلة يجد نموذجه المثالي في الأساطير المؤسسة "للنمط المجتمعي التونسي" بلحظتيه الدستورية والتجمعية: تحديث قسري وفوقي وغير تفاوضي؛ يشتغل بالتعارض الجذري والماهوي مع "الإسلام السياسي"، بل حتى مع الدين في ذاته حين يخالف التمثل اللائكي الفرنسي لكيفية إدارة العلاقة بين الدولة و"الشؤون الدينية"، وثورة يراد لها أن تشتغل بالتعارض مع صناديق الاقتراع و"العيش المشترك"، لا بالتعارض مع بنية الاستبداد والتبعية ومَن وراءها في النواة الصلبة للمنظومة الجهوية - الأمنية - المالية الحاكمة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا.

بحكم ما سبق أن قمنا به في مقالات سابقة من تحليلات مفصّلة للعلاقة بين النهضة وباقي القوى العلمانية في مرحلة الترويكا، فإننا سنحصر اهتمامنا في الجزء الثاني من المقال بما أعقب انتخابات 2014، وسنحاول إن شاء الله أن نجيب على الأسئلة التالية: كيف انعكس هذا الخيار الاستراتجي الذي تبنّته "العائلة الديمقراطية" في علاقتها بالنهضة على مجمل المسار الانتقالي، منذ أن ظهرت نتائج انتخابات 2014 الرئاسية والتشريعية، تلك الانتخابات التي شهدت عودة المنظومة القديمة إلى واجهة السلطة، ولكنها شهدت أيضا بقاء حركة النهضة فاعلا مركزيا في المشهد العام؟ وهل يمكننا اعتبار دخول النهضة إلى الحكومات الندائية المتعاقبة عامل إيجابيا، في خدمة الاستقرار السياسي ومنطق الشراكة بين الإسلاميين والعلمانيين؟ أم إنه كان في الحقيقة عاملا سلبيا ذهب معظم "خراجه" إلى خزائن المنظومة القديمة، بصرف النظر عن النوايا والتبريرات والادعاءات الذاتية؟ ولماذا يصرّ "الحداثيون" التونسيون على التعامل مع النهضة بمنطق "الصراع الوجودي" دون مفردات"الشراكة" و"التعايش"؟ وما هي مسؤولية النهضة السياسية في ترسيخ هذا المنطق الصدامي الذي عطّل، وما زال، انبثاق حقل سياسي "مواطني اجتماعي" متحرر من ضغائن الأيديولوجيا ومصالح المافيات التي تغذيها؟

التعليقات (1)
عبد الرحمن السعدي
الإثنين، 29-01-2018 07:16 ص
لو دققنا النظر بطرف مطرح مثقب في الحركة السياسية الفاعلة اليوم بتونس لرأينا بالجملة أن بقاء "النهضة" في المشهد السياسي المؤقت والدائم هو بمثابة بقاء حزام الأمان والعامل الفعال على ضمان الوسطية والاعتدال الذي يمنع دون الوقوع في هاوية التناكر والإقصاء وعودة الاستبداد بالحكم والتناحر.. شكرا للأستاذ عادل على ما جاء في هذا الجزء الأول من مقاله وننتظر الجزء الثاني للاستفادة من تحليله الواقعي لفعاليات مختلف الحركات السياسية المعاصرة بتونس..