قضايا وآراء

مرحلة جديدة في المواجهة مع إيران

صابر كل عنبري
1300x600
1300x600

لا يمكن النظر إلى الهجوم المسلح الذي وقع في مدينة الأهواز جنوب غرب إيران يوم السبت الماضي 21 أيلول/سبتمبر في سياق حالة العداء بين طهران وحركات مسلحة، سواء كانت الجهة المنفذة معارضة انفصالية أو تنظيم داعش. أبعاد ودلالات هذا الحدث تتجاوز هذه الحالة إلى صراع قديم متجدد بين طهران وعواصم إقليمية والولايات المتحدة الأمريكية.

هجوم مختلف 

نعم، لقد شهدت محافظة خوزستان التي تقطنها غالبية عربية أحداثا دامية من هذا القبيل خلال العقود الماضية، نفذتها حركات مسلحة انفصالية، لكن الهجوم الأخير كان مختلفا عن سابقاته شكلا، ومضمونا وتوقيتا. 

واللافت أن الإشتباكات والهجمات في المناطق الحدودية بين القوات الإيرانية وحركات المعارضة المسلحة خلال العام الأخير في تزايد، إذ سبقت هذا الهجوم هجمات لحركات كردية معارضة في غرب البلد، تبعها هجوم صاروخي إيراني على مقر قيادة حزب "حدكا" الإيراني في إقليم كردستان العراق. 

الصراع مع السعودية 

منذ اللحظة الأولى لهجوم السبت الماضي، اتهمت إيران دولتين خليجيتين بالوقوف وراءه إلى جانب اتهامها للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي. في البداية لم تسم طهران الدولتين، واكتفى كبير متحدثي القوات المسلحة الذي كان أول المعلقين على الحدث بالقول إن المنفذين تلقوا دعما ماليا ولوجستيا من دولتين خليجيتين، كما أن ردود الفعل التالية التي جاءت على لسان قائد الثورة والرئيس روحاني ووزير الخارجية خلت من التصريح باسم الدولتين، أما القائد في تصريح ثان له عن الهجوم ذكر بالاسم السعودية والإمارات.

بعيدًا عن مدى صحة وطبيعة المعلومات التي يستند عليها المسؤولون الإيرانيون، التي لا يمكن لأمثالي الحصول عليها، فثمة شواهد تؤكد أن الخلافات بين إيران والسعودية ومعها الإمارات خرجت من إطارها السياسي، واتخذت منحى أمنيًا وعسكريًا خطيراً. 

بعد الهجوم فورا، استحضرت طهران تصريحات لخصومها الإقليميين والتي حملت طابع التهديد والوعيد. ولعل هذا ما دفعها إلى إطلاق اتهامات للدولتين بالضلوع في الهجوم بشكل سريع، دون أن تنتظر نتائج لجنة تحقيق شكلها مجلس الأمن القومي الإيراني حول الحادث. وقد هدّد ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، في أيار/مايو 2017 خلال لقائه التلفزيوني مع الإعلامي المشهور داود الشريان، والذي أذيع على قناة السعودية الأولى، بجر الحرب إلى داخل إيران، قائلا: "لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لتكون المعركة عندهم في إيران".

إن حديث ولي العهد السعودي كان يشير إلى نية الرياض القيام بـ "إجراءات استباقية" تأتي وفقًا للحيلولة دون نقل الحرب إلى داخل السعودية حسب قوله.

هذه التصريحات أكدت فعلا خروج السياسة السعودية تجاه طهران من طبيعتها المحافظة طوال العقود الماضية، إذ كانت أكثر التصريحات صراحة وتهديدا من أرفع مسؤول سعودي، بالطبع مع افتراض أنه الحاكم الفعلي للسعودية، وهو الأمر الحقيقي بالفعل.

بجانب ذلك، تؤكد المشاركة السنوية لمسؤولين أمنيين سعوديين وعلى رأسهم تركي الفيصل في مؤتمرات "مجاهدي خلق" السنوية في باريس على هذه النقطة المحورية، أن المواجهة الإقليمية بين السعودية وإيران تعدّت الحرب النيابية (غير المباشرة) على الأراضي الأخرى مثل سوريا واليمن والعراق، وستتحول إلى حرب بالوكالة (مباشرة) في أراضي الطرف الآخر. 

حقيقة إن المشاركة العلنية للفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودي الأسبق في مثل هذه الجلسات مثال حيَّ وترجمة لذات التهديد الذي صرّح به ابن سلمان خلال حواره مع الشريان. 

الإمارات في خط المواجهة

 

 كذلك هدّدت ولا تزال الإمارات إيران أيضًا، وهي التي سلّت سيفها ضد طهران بعد وصول دونالد ترامب إلى السلطة، والتي لا يمكن فهم سبب خصومتها مع إيران مثلها مثل السعودية. ولطالما دعا نائب رئيس شرطة دوبي ضاحي خلفان إلى عمل عسكري داخل إيران، مطالبا الدول العربية تحديدًا في صفحته على "تويتر" في آب/أغسطس 2016 بأن تسلّح المعارضة الإيرانية.

واليوم وبعد هذه الحادثة، كتب عبد الخالق عبد الله الشخصية الإماراتية المقربة من ولي عهد أبو ظبي وحاكم الإمارات الفعلي محمد بن زايد، في تغريدة مليئة بالمعاني: "الهجوم على هدف عسكري ليس إرهابًا، ونقل المعركة إلى عمق إيران خيار معلن، وسيزداد خلال المرحلة المقبلة".

شاءت دولة الإمارات أم أبت، فإن هذه التغريدة تضعها في موقع الإتهام بالوقوف وراء ما حصل في محافظة خوزستان الإيرانية، ما يؤكد أنه يأتي في إطار شكل جديد من المواجهة ونقل الحرب إلى داخل إيران كما توعد بذلك مسؤولون سعوديون وإماراتيون. وحينما يتم الحديث بكل هذه الصراحة عن نقل الحرب إلى داخل إيران كخيار، فإن ذلك يشير إلى أن القضية أبعد من خطوة لجماعة مسلحة أيا كانت هويتها. هنا إشارة عبد الخالق الواضحة إلى خيار وقرار، ومقصده على الأغلب خيار محور (واشنطن وتل أبيب والرياض وأبو ظبي).

استراتيجية أمريكية

ومن جانب آخر، لا يتعين صرف النظر عن أن هذا الهجوم أتى بعد يوم من التهديد الحاد لوزير خارجية أمريكا لإيران ردًا على هجمات العراقيين الأخيرة على القنصلية الأمريكية في البصرة وسفارتها في بغداد. 

على الرغم من أن طهران رفعت سقف تهديداتها لكل من السعودية والإمارات، لكن لن تقم باستهدافهما بشكل مباشر، والرد قد يكون عبر حلفائها في الإقليم وفي ساحات كثيرة تشهد أساساً حروباً عسكرية وسياسية بالوكالة بين إيران من جهة، والسعودية وأمريكا من جهة أخرى، كاليمن أو العراق أو غيرهما. كما أنه سيختلف الخطاب السياسي الإيراني إزاء الرياض بالذات، رغم أن طهران ستبقى ضمن إطار التصعيد المنضبط سياسياً، والمحكوم بعوامل عدة، والذي سيستند إلى توظيف الجهود ليصب ما يجري في مصلحتها أمام المجتمع الدولي، إلا أنها لن تتحدث كثيراً بعد الآن عن رغبتها في إصلاح العلاقات مع الرياض، كما صدر عن مسؤوليها أخيراً.

وعلى أي حال، وبالنظر إلى النقاط السالف ذكرها، فإن المواجهة بين القوى الأجنبية الدولية والإقليمية وإيران قد دخلت فعلا إلى مرحلة جديدة وخطيرة، والتي تتخذ أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية مختلفة، حيث يمكن الحديث اليوم عن حرب شاملة عبر أوجه خفية وواضحة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يتم تنفيذ خطة منها يوميًا، وتتخذ بعدا أكثر وضوحًا خلال المرحلة المقبلة. 

وأخيرا لابد من التأكيد أنه بغض النظر عما ذكر سالفا فإن الرياض التي ساهمت بأخطائها الاستراتيجية في تعزيز النفوذ والدور الإيراني الإقليميين لا تمتلك سياسة مستقلة تجاه طهران، وإنما تأتي تصرفاتها وسياساتها الراهنة في هذا الخصوص امتدادا أو تنفيذا للسياسة الأمريكية الشرق أوسطية التي ترتكز بشكل أساسي على مبدأ "إسرائيل أولا"، والخطورة تكمن هنا.

التعليقات (0)