كتاب عربي 21

ما الذي وقع بين "العدالة والبناء" وجماعة الإخوان الليبية؟

السنوسي بسيكري
1300x600
1300x600

إن من أكبر التحديات التي تواجه التنظيمات الإسلامية التي تتبنى طرحا شموليا يغطي مختلف مناحي الحياة هي الوصول إلى صيغة مثلى تجسد التكامل بين المجالين: السياسي المعقد والاجتماعي الواسع.

وراجع تجارب الحركات الإسلامية التي تعتبر أن مفهوم الدعوة لا ينحصر في المساجد وأن أصداءها تصل إلى قباب البرلمانات ودهاليز السلطة  التنفيذية، فستجد أنها إما انحازت كليا إلى أحدهما وهو غالبا السياسي، أو أخفقت في تحقيق إنجاز في كليهما، والاستثناءات محدودة جدا.

أسباب الخلاف

هذا هو المدخل الصحيح لفهم الخلاف الواقع اليوم بين حزب العدالة والبناء وجماعة الإخوان المسلمين الليبية، أكبر المؤسسين له، وما كان للخلاف أن لا يقع، كما أن كل أوجه التجاذب الأخرى متفرعة عن الأصل وهو الإخفاق في الجمع أو الفصل بين المسارين الأساسيين، السياسي والدعوي.

كل المؤشرات تؤكد على أن الأزمة الراهنة إنما نجمت بسبب تزايد شعور جماعة الإخوان، أو شريحة مهمة فيها، بعدم الرضى عن نتائج مقاربتها في تأسيس حزب بمشاركة آخرين يكفيها عناء العمل السياسي، وعندما تقع الأزمة تتحرك عوامل أخرى تغذي الخلاف، ومن ذلك اختلاف محاضن التكوين، وتعدد المشارب، أو تضارب المصالح، ولا نستبعد الحزازات الشخصية والتي تقع بين القيادات ليس بالضرورة لأسباب فكرية أو سياسية أو إجرائية.

 

الجماعة، أو شريحة ذات وزن من أفرادها، ترى أن الحزب يحمِّلها وزر ما تعتبره أخطاء،


المقاربة التنظيمية شديدة المركزية وشديدة الإنضباط بقيم تكوينية في جماعة الإخوان تجعل مسألة الاستقلالية التامة للحزب غير مقبولة. ولقد واجهت قيادة العدالة والبناء ممثلة في رئيسه هذا الموقف بصرامة فصار الحزب بالفعل مستقلا والدليل أن مساره السياسي شكل قلقا للجماعة في عدة محطات منه وعبرت عن قلقها هذا في بيانات عدة.

الجماعة، أو شريحة ذات وزن من أفرادها، ترى أن الحزب يحمِّلها وزر ما تعتبره أخطاء، خاصة بعد مشاركة الأخير في الوفاق بشكل منفرد وانعزاله عن الكتلة الإسلامية والوطنية والذين شكلوا بمجموعهم عملية فجر ليبيا، تماما كما يعتقد الحزب أن ربطه بالإخوان يشكل عبئا عليه داخليا وخارجيا.
  
أزمة الحزب أم أزمة الجماعة

ما ذكره الأستاذ عبدالرزاق العرادي من وجود خلاف داخل جماعة الإخوان حول ما ينبغي فعله إزاء حالة الشلل الذي تعانيه الجماعة صحيح، فهناك تدافع عالي الوتيرة حول شكل التغيير المنشود واتجاهه، لكني أميل إلى الرأي القائل بأن إطلالة العرادي ليس بهدف مناقشة وضع الجماعة، وأن توقيت المقال له علاقة بمشكلة الحزب مع الجماعة.

أتصور أن ما حفَّز العرادي لفتح الموضوع هو الخلاف داخل الحزب بين كتلتين، الأولى هي التي تمثلها القيادة الحالية، والثانية تتزعمها قيادة غائبة في الماضي وحاضرة اليوم وترغب في المنافسة على منصب الرئيس في الانتخابات المقبلة على خلفية أن الحزب في حالة جمود وأنه اكتفى بالشراكة في الوفاق وتوقف عنده.

مربط الفرس 

الزج بالجماعة في الخلاف الواقع داخل الحزب والذي أشار إليه العرادي، وصرح به بشكل مباشر القيادي في الحزب عبدالسلام جويد يعكس تأثير أعضاء الجماعة في الحزب.

 

أفراد الجماعة يمثلون ثقلا ضمن قاعدة حزب العدالة والبناء، وحظوظ من يحوز على تأييدهم أكبر في الفوز برئاسة الحزب،

ليس خافيا وجود عدد لا بأس به من أفراد الجماعة يتحفظون على الاتجاه الغالب في الحزب وكان من مظاهر تحفظهم مطالبة رئيس الحزب، في بيان انتشر على الفيس بوك، بتجميد نشاط القيادي البارز في العدالة والبناء، صلاح الشلوي، وذلك على خلفية تصريحات متكررة له أثارت سخطهم.

أفراد الجماعة يمثلون ثقلا ضمن قاعدة حزب العدالة والبناء، وحظوظ من يحوز على تأييدهم أكبر في الفوز برئاسة الحزب، ويمكن أن يفهم تصريح جويد برفض تدخل الجماعة في الحزب ضمن هذا السياق، كون جويد ضمن قيادة الحزب المتحفظة على الطرف الذي يدفع باتجاه التغيير في الانتخابات المقبلة والذي على رأسه عماد البناني.

إلى أين يتجه الخلاف؟

أحسب أن الأزمة الحالية داخل الحزب، وبين الحزب والجماعة، تدور في السياقات التي أشرت إليها أعلى، وزخمها الراهن إنما أخذ حيزه باقتراب موعد انتخابات رئاسة الحزب، والبحث عن بديل لمحمد صوان الرئيس الحالي الذي استنفد حقوقه في الترشيح بعد أن قاد الحزب لدورتين متتاليتين.

على أي حال ليست هذه الخلافات بالشيء الغريب على التكوينات السياسية حتى الإسلامي منها، ومن الخطأ الاعتقاد بأن التجمعات الإسلامية مبرأة من الخلافات والنزاعات.

ونحتاج أن ننتظر ما ستسفر عنه الإنتخابات المقبلة، إذ ليس من المستبعد أن ينفصل أنصار القيادة الحالية في حال فاز معارضوهم، وهناك احتمال أن تقع انشقاقات داخل الجماعة، لكن أتوقع أن تكون معدودة وتأثيراتها محدودة.

وينبغي التنويه إلى أن الوزن السياسي لكلا الجسمين في حال وقع انقسام في الحزب سيعتمد على تأييد أغلبية أفرد الجماعة، ولا يعني ذلك أن الخلاف الراهن لن يتكرر، فهو محتمل جدا لأن أسبابه قائمة وتتعلق بإشكالية الجمع أو الفصل بين المسارين السياسي والدعوي.

 

إقرأ أيضا: حوار شامل لـ"عربي21" مع رئيس‏ حزب العدالة والبناء الليبي

التعليقات (0)