مقالات مختارة

عامكم سعيد يا ضحايا “الفوضى الخلاّقة”

أبو جرة سلطاني
1300x600
1300x600

لسنا وحدنا في هذا العالم، والتطرّف لم يعد سلوكا فرديّا، بل تحوّل إلى تجارة عالميّة كلُّ شيء فيها قابل للبيع. والحديث عن "الوطن الأمّ" لم يعد له معنى أمام سلطان الاتفاقيات الدّوليّة وسطوة القانون الذي تفرضه دولة الإقامة وشروط الجنسيّة ومشمولات المواطنة التي تفرض على كل مواطن احترام سلطة الدّولة التي تضمن لمواطنيها حقوقهم في مقابل قيامهم بواجباتهم الدستوريّة والقانونيّة، في ظل العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، واحترام حقوق الإنسان وغضّ الطّرف عن بعض الخصوصيّة الثقافيّة التي لا تتسبّب في تهديد الأمن العام والوحدة الوطنيّة.

وعلى كل مواطن التّسليم للدّولة التي يقيم فيها بالسّلطة السياسيّة ومعارضة الرّداءة والوفاء بالعهود والمواثيق التي حوّلت الكرة الأرضيّة إلى ما يشبه الوطن المشترك للبشريّة جمعاء بفرْض هجرة انتقائيّة تتلافى تكدّس سكان المعمورة في شمال الكرة على حساب جنوبها.

ما أشبه الليلة بالبارحة، ففي سنة 1492 الميلاديّة سقطت آخر قلاع ملوك الطّوائف، ووطئت أقدام الرّجل الأبيض أرض القارّة الخامسة التي حملت اسم مكتشفها "أمريكو فوسبوتشي". وها نحن نعيد درس ملوك الطوائف، فالعالم الإسلامي يشهد موجة من الانهيارات السياسيّة الناجمة عن الامتداد الطّاغي لموجة الفوضى الخلاّقة. وفي هذا السياق التاريخي يُعاد اكتشاف أمريكا بـ"صفقة القرن" في طبعة رديئة لكتاب صادر عن الخارجيّة الأمريكيّة سنّة 2001 تمّ تخزينه بضع عشرة سنة ليُعاد تسويقه ضمن تداعيّات ثورات الرّبيع العربي، التي استحالت إلى خريف بئيس عرّت أعاصيرُه أشجارَ أوطاننا وكشفت أسرارها وأسقطت ثمارها قبل نضجها.

نجحت سياسة الفوضى الخلاّقة في تغذيّة أحقاد القرون الماضيّة، وفي تحريك المياه الرّاكدة، وفي خلخلة الاستقرار الدّاخلي لكثير من الأنظمة، دون أن تقدّم بدائل واضحة.. واكتفت بإسقاط ما كان قائما ومنع قيام ما كان قادما، لتظلّ هذه الكيانات النّاشئة قيْد الدّرس قبل أن يتقرّر النّموذج الذي سوف تكون عليه الدّولة البديلة عن الدّولة الوطنيّة (دولة قبيلة أو عشيرة، أو دولة مواطنة وشراكة، أو دولة ملوك طوائف..) لكنّ الحاصل المؤقّت هو أنّ تفكيك الأنظمة القديمة زرع المخاوف في نفوس الماسكين بأزمّة الأمور من استمرار موجة الفوضى الخلاّقة إلى مدًى تصبح فيه الدّولة رهينة لجماعات "الهاكرز" المالي والسياسي والاقتصادي والتجاري والثّقافي أيضا.. وكلها جماعات مصالح تعمل على فصل كيان الدّولة عن مكوّناتها ومقوّماتها وثوابتها وهويتها.. فلا يبقى من ملامحها سوى مواقعها الجغرافيّة. والبقيّة تسخير ثروات وتهجير أدمغة لتزيد في رفاه سكان الضفّة الأخرى.

وحدة قياس التخلّف والتطوّر ـ لدى الشّعوب والدّول والأمم ـ لم تعد تُقاس بمتوسّط الدّخل الفردي، ولا بنسبة توصيل البيوت بالماء والكهرباء والغاز والإنترنيت، ولا حتّى بتدنّي نسبة البطالة.. فتلك مؤشّرات الثّلث الأخير من القرن الماضي. أما مؤشرات الثّلث الأوّل من القرن الواحد والعشرين فانتقلت من الضّروري والكمالي إلى اشتراط نسبة السّعادة لدى أفراد هذا الشّعب أو ذاك بعشرة مؤشّرات إذا قيست بها شعوب ما يسمّى تأدّبا "العالم الثالث" تنزل كلها تحت خطّ الشّقاء.

 

والأدهى من كل هذا أنّ العالم الثالث بات مهدّدا بفقدان سيادته على أمنه الغذائي وأمانه الاجتماعي، وعلى حدوده ووحدته وسلطته السياسيّة.. وهي نتائج أحداث 11 سبتمبر 2001 وثمار خطّة عالميّة ترسّمت معالمها مع بداية العدّ التّنازلي لتفكّك الاتحاد السّوفياتي ونهاية القطبيّة الثنائيّة، فحركة التاريخ لا تؤمن بالقطبيّة الأحاديّة، ولا بدّ لكلّ قوّة نافذة من قوّة تستفزّها وتعاندها لتستمرّ في البقاء. وهي الفكرة التي أوحت لصنّاع القرار العالمي بوضع خطّة مؤلمة تبدأ بصدمة عالميّة تغيّر أنماط التّفكير العاقل إلى أشكال تبدو متهوّرة ولكنها مثمرة، كان الهدف منها اختراع عدوّ مرعب يكون مبرّرا يًقنع الرّأي العام الدّولي بأنّ زوال الخطر الأحمر سوف يخلفه خطر أكثر قدرة على خلخلة الاستقرار العالمي هو "الخطر الأخضر" القادم من الشّرق.

صنعت الدّعاية العالمية فزّاعة القاعدة، ونفخت في تنظيم الطّالبان حتّى صار جيشا منظّما له قيادة عالميّة، ومراكز تدريب، وبؤر توتّر في العالم كله، وعمليات نوعيّة في السّودان، ومصر، والسّعوديّة، واليمن، والصّومال، والجزائر، والمغرب، والعراق.. بل وجاس خلال ديار الغرب وأمريكا: فضرب في باريس، ولندن، وموسكو، وواشنطن.. وتمّ تسويق هذه الصورة وتضخيمها لتصبح العدوّ المشترك الأوحد للأسرة الدّوليّة، تعمل على تطوير أسلحة بيولوجيّة وجرثوميّة (الجمرة الخبيثة..) ولا بدّ من تعاون دولي لتجفيف هذه المنابع عبر سياسة الضربات الاستباقيّة. ، فالبشريّة كلها أضحت مهدّدة. وعلى أحرار العالم التّعاون لمواجهة هذا الخطر الماحق. بعد تجاوز عقبتيْن.

ـ عقبة المظلّة القانونيّة التي تبيح التدخّل في الشؤون الدّاخليّة للدّول المارقة، بهدف تعقّب هذا التنظيم وتجفيف منابع الإرهاب في العالم، وضرب المتعاونين معه في كل مكان.

ـ وعقبة التبرير السياسي لانتهاك حقوق الإنسان والحرّيات والدّيمقراطيّة والدّماء والأعراض.. لإعادة ترتيب أوراق الملفّ العالمي تمهيدا لبناء نظام دولي جديد.

تمّ حبْك سيناريو ضرب برجيْ التّجارة العالميّة يوم 11 سبتمبر 2001 بإخراج هوليودي بارع، يتجاوز قدرة الأفراد والجماعات والمجموعات المسلّحة، إلى جهات نافذة في صناعة الأزمات وإعادة كتابة التاريخ من منطلقات المصلحة التي لا تعير كبير اهتمام للعواطف والدّماء والفزع الذي تحدثه الصّدمات المغيّرة لمجرى الأحداث. فما حدث كان بداية لتاريخ جديد للبشريّة، تاريخ صنعه الكبار وتجرّع الصّغار مرارته. فباسم نظريّة تجفيف المنابع انتشرت ترسانة من الأسلحة في العالم كله، وصارت قطعة السلاح أرخص من رغيف الخبز، وطريق الوصول إليها أيسر من الحصول على حبّة أسبرين. ومن عجائب الفوضى الخلاّقة أنّ الشّعوب الأكثر فقرا وتخلّفا هي الشّعوب الأكثر تسليحا واقتتالا فيما بينها.

فباسم نشر الدّيمقراطيّة تمّ تأجيج نيران الانتقام من أنظمة عتيقة لا تريد أن تغيّر خطابها ولا سياساتها ولا جلدتها التاريخيّة. لكنّ الذي فاجأ المبشّرين بنظريّة نهاية التاريخ، والمخطّطين للفوضى الخلاّقة، والدّاعمين لفكرة الضّربات الاستباقيّة، وإنهاء وجود الدّول الوطنيّة.. هو: سقوط حلفائهم وعجز أصدقائهم. فحلفاؤهم تهاووا بسرعة لم يكونوا هم أنفسهم يتوقّعونها.

 

لكنّ الذي حلّ محلّه هو "الخطر الأخضر" بلونه الهادئ الذي تراكمت تجربته عبر سنوات طويلة من البناء والتّكوين والتعاطي مع الواقع.. كونه التّيار الأكثر تنظيما وترابطا وفقها لقانون قيام الحضارات وسقوطها.. في مقابل انحسار ظلّ الحركات المتطرّفة. وهي الظاهرة التي أفسدت خطّة مبتدعي مصطلح الفوضى الخلاّقة وأربكت استراتيجيّة قطع الشّجرة بغصن منها، لما أدركوا أنّ التطرّف عدوٌّ بليد وخصم ساذجٌ يسهل استدراجه إلى ميدان الصّدام والإجهاز عليه باسم تجفيف المنابع.

 

أما الحركات الهادئة، فنفسها طويل، ونظرها بعيد، ومعركتها ليست ذات طابع إيديولوجي.. فاقتضى الواجب إحداث تغيير جوهري على خطّة الفوضى الخلاقة بتمديد آجال تنفيذها ثلاثين عاما مقسّمة إلى ثلاث موجات عالمية كبرى. نحن اليوم في قلب الموجة الثانيّة. وللحديث بقيّة. وكل عام وأنتم بخير.

عن صحيفة الشروق الجزائرية

4
التعليقات (4)
متفائل
الأربعاء، 09-01-2019 06:57 م
نحن في الهم سواء ، نصح طبيب في أوربا جزائريا مغتربا بالتخلي عن شرب الحليب نتيجة ظهور أعراض حساسية مفرطة ، ولما عاد أخونا إلى بلده لقضاء العطلة السنوية رجع إلى تناول الحليب الذي هو أكثر مشتريات واستهلاك الجزائريين ، من دون أن تظهر تلك الأعراض طيلة ما يقارب الشهر ، ففرح كثيرا واعتقد أن الطبيب مخطئ ، فلما عاد حمل إلى ديار الغربة كيس حليب ، من دون الحاجة إلى استشارة ولو طبيبا من أطبائنا الذين يتناولون في غالبيتهم نفس ما تناوله خلال عطلته ، بمجرد أن وصل هرع إلى عيادة طبيبه و حكى له القصة ، فاستفسر طبيبه عن نوعية الحليب ، فأعطاه الكيس ، وأخذ له موعدا في اليوم الموالي ، وبسرعة قال المخبر كلمته التي أفادت أن الحليب صافي إلى حد بعيد من مادة الحليب ، اللهم إلا ذلك الذي يشبه الطلاء ، حتى لا اقول صبغة ، و شتان بين الطلاء والصبغة ، فهل إخبار الطبيب مريضه حقيقة الحليب هو قدح في حق الحليب أم هو سب و تجني كما فهمت يا حاسم ، وأكثر من ذلك هل يعز علينا أن نعترف بأن ما تعيشه شعوبنا هو من عند أنفسنا ؟ أما بخصوص الأفكار ، فما عليك إلا أن تجتهد ، ولك من الوقت الذي تريد ، فقط ايتينا بأفكار ولا تأتينا بأشعار ، و إن أمكن بفكرة واحدة نستفيد بها سويا ، إننا رفقة شعوبنا صرنا نتوجس خيفة من فحوى قوله تعالى : " وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ? أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ? وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ " [ الشعراء:224-226]؟أما بخصوص أستاذنا أبو جرة فنقدره و نحترمه و نتمنى من قلوبنا أن يختاره شباب إخوان الجزائر بكل حرية و قوة من أجل إعادة حركة حماس و ليس " حمس " إلى صفائها وأناقتها و مسارها السليم .
حاسم
الثلاثاء، 08-01-2019 12:35 ص
إلى الصديق العزيز "متفائل" لماذا تدع الفكرة وتهاجم صاحبها ؟ ألم تع أن العقول الكبيرة تترفع عن هذه المُهاترات والعنتريات إلى متى جلد الذّات والإحتراب الأهلي ؟ ماذا يستفيد القاريء العربي من هذا القدح والرّدح والفضح ؟ أتعرف مَنْ المفلس ؟ هو ذاك الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام ,,,,,, وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا........ألا تستطيع أن تناقش الأفكار وتدع سب الأخيار ؟ يا أخي اتق الله وقل خيرًا أو اسكت فالسب والشتم يدل على الحقد والغيرة والحسد ، لله درُّ الحسد ماأعدلها بدأ بصاحبه فقتله
متفائل
الإثنين، 31-12-2018 09:44 م
تهانينا بالعام السعيد ، لم تبدأ اليوم ، لقد صورت الفوضى الخلاقة من داخل المستنقع الآسن بالقرب من مرابض تحلل فوضى الاستبداد ، لعلكم من شدة التعود على تلك الأجواء و تلك الموائد ، أصبتم بما يشبه التخمة إلى حد الزكام المتشبع بكثير من ألوان الصداع ، إلى الحد الذي عرض ذاكرتكم لما يشبه التلف البطيء على طريق إصدار نوعا من الشخير الذي لن يخرج عن تخمة الجيوب والبطون إلى حد لا يطاق ، عن أي فوضى تتحدث ، ومع أي شعب تعيش ؟ الخطر الأخضر الهادئ هو بمثابة أحلام ، لا يحلمها سوى من اعتاد على البساط الأخضر ، ليس بالأمتار ، ولكن بالهكتار ، لذلك لم يعد صاحبنا يفرق بين داعش و طالبان ، فكلاهما رقم من الأرقام ضمن حسابات الروس والأمريكان ، المهم بالنسبة لصاحبنا أن يخاطب الضحايا بخطاب السلاطين والأمراء ، إذ من دون شك سيطل علينا في القريب العاجل بوصفة يزفها للشعوب ، عسى أن يخلصها من أوحال ثورات الربيع التي تحولت في ذهنيته إلى خريف أقرب ما يكون من الشتاء العاصف المخيف ، فبدل أن يقاسمها آلامها ، راح يهنئها مع حلول السنة الميلادية الجديدة ، فهنيئا للكاتب بالعام الجديد .
مصري جدا
الجمعة، 28-12-2018 12:49 م
هذه هي مؤامرات المنافسين والخصوم والأعداء ،،،، فأين نحن منها ،، وما هي خطط الحركة الإسلامية امل الملايين ،،، الخصوم يتميزون بكثرة البدائل والحلول والمرونة ،،، وفي الحركة الإسلامية يتميزون بالجمود والتكلس والنمطية ومقاومة التغيير والتجديد ،،، التاريخ والواقع بانتصاراته وانكسارته في صالحنا لكن يحتاج لقيادات رأس دى ،، توظف الموارد وتستفيد من الفرص وتكون التحالفات ولا تتعجل القفز في الفراغ كما حدث في مصر ،،،