قضايا وآراء

الثورات العربية.. تسييس الحاجات أم فرص سياسية؟

حسين عبد العزيز
1300x600
1300x600

لم يكن مفاجئا وغريبا أن تنتقل شعلة الثورة من تونس إلى بعض الدول العربية (مصر، ليبيا، اليمن، سوريا) خلال أقل من ثلاثة أشهر، نتيجة التجانس الحضاري، وشروط الاجتماع السياسي، والأزمة الحضارية التي تقف على عتبتها الأمة العربية.

 

هل أن ثورات مصر وليبيا واليمن وسوريا، ما كان لها أن تقع لولا وجود نموذج سابق (تونس) نجح في إحداث التغيير؟

 

إن هذا التجانس الحضاري، يفسر ظاهرة تماهي الإشكالية التي يعاني منها المواطن العربي، ولذلك، كان طبيعيا أن يكون لضربات الثورة في تونس، صدى قويا في القاهرة وبنغازي وعدن ودمشق، في تكرار تاريخي لما جرى نهاية القرن الثامن عشر في أوروبا، حين انتقلت مشاعل الثورة الفرنسية إلى هولندا، وجمهورية جبال الألب الغربية، والجمهورية الرومانية، ونابولي وسويسرا.

لكن، السؤال الذي يفرض نفسه، هو: هل ثورات مصر وليبيا واليمن وسوريا، ما كان لها أن تقع لولا وجود نموذج سابق (تونس) نجح في إحداث التغيير؟ 

القابلية للثورة

سار عزمي بشارة تقريبا على نفس الخط الفكري الذي سار عليه روبرت بالمر في قراءته التاريخية للثورة الفرنسية، لكن في حين اكتفى بالمر بالبحث التاريخي للمسار الاجتماعي الفرنسي قبيل الثورة، والصيرورة المميزة التي أدت إلى التسييس المفاجئ للشروط الاجتماعية العامة، ركز بشارة على القابلية الاجتماعية السياسية للثورة بشكل عام، اعتمادا على تصنيفات لينين الثلاثية التي يمكن تلخيصها بـ:

ـ تقع الثورة عندما تعجز الأنظمة الحاكمة في الحكم دون تغيير، وتنشأ أزمة داخلية تؤدي إلى صراعات داخل الطبقات العليا.

ـ تقع الثورة أيضا، عندما تزداد معاناة الطبقات المضطهدة حدة.

ـ تقع الثورة عندما يزداد نشاط الطبقات المضطهدة نتيجة الأزمة وممارسة الطبقات الحاكمة المضطهِدة.  


بعد استعراض ثلاثية لينين حول شروط الثورة، يؤكد بشارة على نقاط ثلاث: 

الأولى، أن الحالة الثورية التي تؤدي إلى الثورة تتطلب تضافر عاملين اثنين على الأقل من العوامل الثلاثة التي ذكرها لينين.

الثانية، أن الثورات العربية أثبتت أن قضية المعاناة هي في حد ذاتها ليست موضوعية فحسب، بل ترتبط بوعي المعاناة سياسيا أيضا، وهذه نقطة يشترك بشارة فيها مع بالمر.

الثالثة، التأكيد على رؤية إمكانية التغيير وضرورته أو ما يسميه بشارة بـ "القابلية للثورة"، مسألة متعلقة بالوعي، وهذه نقطة يفترق فيها بشارة عن بالمر.

يربط الدكتور بشارة بين القابلية للثورة ووعي إمكانية الفعل ضد المعاناة في الوقت نفسه، وهنا يُطرح سؤال مركزي: ما سبب نشوء الوعي بإمكانية الفعل ضد المعاناة في هذه اللحظة التاريخية؟ هل هي مسألة تسييس الحاجات والمعاناة، أم هي الفرص السياسية التي ظهرت في لحظة تاريخية معينة؟

إن تسييس الحاجات على الرغم من أهميتها في التثوير اللاحق للبشر، لا يفسر أسباب الانتقال من حالة القوة إلى حالة الفعل على مستوى السلوك البشري، بمعني أن تسييس الحاجات، كعملية وعي، متواجدة قبل الثورات بسنوات، فالمواطن العربي، يدرك أن الفساد والمحسوبية، والترهل الاقتصادي، وكل أشكال المعاناة هي ذات طبيعة سياسية، وأن الحل لا يكون إلا ضمن المجال السياسي.

 

الملاحظة التي ذكرها الدكتور بشارة (التأكيد على رؤية إمكانية التغيير وضرورته) تبدو في غاية الأهمية، وإن لم يتوسع فيها، وهي التي تشكل برأي كاتب هذه السطور، ربما السبب الرئيس المباشر في انتقال الثورات العربية بهذه الطريقة السريعة بعد تونس.

الفرص السياسية

إنها الفرص السياسية، أو رؤية إمكانية التغيير السياسي نتيجة ظهور فرص سياسية ـ تاريخية تسمح بهذا التغيير. 

يقول إليكسي دو توكفيل في كتابه المأثور "النظام القديم والثورة الفرنسية"، إن الشر الذي كان يعانيه الناس بصبر على اعتبار أنه لا يمكن تفاديه، يبدو غير محتمل حالما يدركون فكرة الإفلات منه، وعندئذ يبدو أن كل ما يتم رفعه من مفاسد يكشف بصورة أفضل ما يبقى من مفاسد أخرى، ويضفي عليها إحساسا مريرا.

ويتابع توكفيل "... لهذا بدت أهون الضربات التعسفية في عهد لويس السادس عشر أصعب على التحمل من كل استبداد لويس الرابع عشر".

يمكن مقارنة ذلك أيضا، بما حدث في جنوب إفريقيا، ففي اللحظة التي أبدى فيها الرئيس دي كليرك رغبته في إنهاء نظام الفصل العنصري وإدخال السود في الحكم، ارتفعت حدة الخطاب الثوري والمسلح لدى العامة من السود وبعض القادة، بدلا من أن تنخفض، لأنهم رأوا في الموقف الجديد لدى دي كليرك فرصة سياسية تاريخية للتغيير، فحدثت عملية التثوير، ولولا تدخل مانديلا شخصيا، وتقديمه خطابا معتدلا لتفجر الوضع في البلاد.

تنقل كيت ناش في كتابها "السوسيولوجيا السياسية المعاصرة" عن إيلينا زردافوميسلوفا قولها، إنه في عام 1988 وعقب ارتخاء سلطة الدولة، تشكل الاتحاد الديمقراطي في ليننغراد، واستغل السياسة المتساهلة الخاصة بالتجمعات الشعبية عبر قيامه بمظاهرات معطلة وناشرة للفوضى.

ونقيض ذلك حصل بعد صدور قانون الانتخابات الشعبية في العام نفسه عندما تشكلت جبهة ليننغراد الشعبية وقامت بحملة انتخابية، وكان الشكلان المختلفان لهذه الحركات نتيجة إدراك الفرص السياسية المتاحة أثناء تحريكها.

وليس مهما هنا، ما إذا كانت الفرص السياسية المتاحة حقيقية أم وهمية بالنسبة لمتلقيها، فقد بينت التجربة أن الفرص السياسية التي أتاحتها الثورة التونسية للثورات العربية الأخرى، جاءت مختلفة اختلافا حادا.

وما يؤكد أهمية الفرص السياسية، ما ذهب إليه مانكور أولسون في كتابه "منطق العمل الجمعي"، وهو أحد أهم منظري نظرية تحريك الموارد، إذ عارض بشدة القول إن الحركات الاجتماعية الاحتجاجية تنشأ نتيجة المظالم الاجتماعية، فبما أن المظالم الاجتماعية موجودة بصورة دائمة في المجتمع، فإن مجرد وجودها لا يمكن أن يشرح المشاركة في العمل الجمعي.

فما يحتاج إلى شرح عند منظري تحريك الموارد هو سبب انخراط الأفراد القصدي في العمل الجمعي نتيجة لتفكير عقلي بمصالحهم الخاصة، فالعمل الاجتماعي لا تسببه الأحوال الاجتماعية.

لم يكن أولسون يتحدث عن الثورات بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما كان يتحدث عن الحركات الاجتماعية في المجتمعات الغربية ما بعد الحداثية، لكن فكرة الاختيار العقلاني للعمل الجمعي الاحتجاجي، هي فكرة واحدة، سواء في أسباب الثورات أو أسباب نشوء الحركات الاجتماعية داخل فضاءات المجتمع المدني.

ويدعم هذا التوجه، ما ذهب إليه سيدني تارو، حين أكد أن الحركات الاجتماعية الاحتجاجية أو غير الاحتجاجية، تنشأ من اضطراب اجتماعي، من حدث غير متوقع تسهله تغيرات في بنى الفرص السياسية.

 

وعي زائف

 

في بداية الثورة السورية، وتحديدا في السنوات الأولى وحتى نهاية عام 2012، كان ثمة وعي زائف لدى عموم المحتجين، وبعض النخب السياسية، بأن النظام السوري ساقط لا محالة، إما بفعل قوة الثورة الداخلية، أو بفعل تدخل خارجي.

وليس مهما هنا صحة أو زيف هذه الاعتقادات، وإنما دورها في تفسير السلوك الاختياري للفاعلين، نتيجة رؤيتهم لفرصة سياسية تكررت سابقا في تونس ومصر (الانتقال السياسي)، وفي ليبيا (التدخل العسكري)، ويمكن ـ بل على الأغلب ـ ستتكرر في سورية بشكل أو بآخر.

من هنا، فعلى الرغم من مسألة وعي المعاناة سياسيا، وتسييس الحاجات، فإن هذه المعادلة تظل قاصرة عن فهم أسباب الثورة، فقد تصلح لبعض الثورات ولا تصلح لغيرها.

*كاتب وإعلامي سوري

التعليقات (0)