قضايا وآراء

هل تعود الشاحنات الكبيرة؟

شيماء مرزوق‎
1300x600
1300x600
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صفقة القرن يوم 28 كانون الثاني/ يناير، إعلان يحمل في طياته نهاية مرحلة سياسية كان عنوانها العريض الاستيلاء على أكبر قدر من الأرض، والتحضير لمرحلة جديدة هدفها التخلص من أكبر قدر من السكان الفلسطينيين.

طُبقت البنود الأخطر في الصفقة على الارض، مثل إعلان القدس عاصمة للاحتلال ونقل السفارة الأمريكية إليها، وسيطرة إسرائيل فعلياً على معظم مناطق "ج" في الضفة الغربية، والتي تمثل 60 في المئة من أراضي الضفة، والاعتراف بها أراضي إسرائيلية والسماح لها بضمها.

لا غرابة في أن خطة ترامب تجاهلت الفلسطينيين تماماً، ومنحت كل شي لإسرائيل مقابل لا شي للفلسطينيين، بطريقة فجة تجعل قبول الطرف الفلسطيني بها مستحيلاً، وهو أمر لم يأت مصادفة.

الخطة وضعت وصيغت كي يرفضها الفلسطينيون؛ لأن الهدف منها ليس الوصول لاتفاق أو سلام وإنما منح الشرعية لكل الإجراءات الأحادية التي فرضها الاحتلال خلال السنوات الماضية، وتحديداً في مرحلة ما بعد أوسلو.

التاريخ يعيد نفسه بطريقة مذهلة، فقد منح اتفاق أوسلو الفلسطينيين عام 1994 سلطة ينشغلون بها عن القضايا الكبرى، فيما تم تأجيل كل قضايا الصراع المركزية وقضايا الحل النهائي لخمس سنوات، انقضت ولم يوضع أمامهم شيء يمكن القبول به، فانفجرت العملية السياسية وانتهت فعلياً عام 2000 مع اندلاع انتفاضة الأقصى.

خلال هذا الوقت ضاعف الاحتلال من الاستيطان تحديداً في القدس والضفة الغربية، وفرض رؤيته على الأرض من جانب واحد، فانسحب من غزة ذات الكثافة السكانية المهولة وعزز تواجده في الضفة، على مبدأ أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من السكان.

واعتمدت الرؤية الإسرائيلية في السيطرة على الأرض على محورين أساسيين:

الأول: طرد الفلسطيني من خلال مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها.

الثاني: الإحلال الإسرائيلي عبر إسكان الإسرائيليين في هذه المستوطنات، وخلق وجود ديمغرافي يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الوجود الفلسطيني الحالي والمستقبلي.

ويمكن اعتبار أن أبرز الأهداف الاستيطانية هو منع التوصل إلى تسوية إقليمية فلسطينية- إسرائيلية، تسمح بإقامة كيان فلسطيني ذي ولاية جغرافية واحدة متواصلة.

حقيقة لم تواجه إسرائيل مشكلة كبيرة في الاستيلاء على الأرض عبر المستوطنات، فقد فرضتها كأمر واقع، ثم بدأت تسعى لمنحها شرعية دولية كأراض إسرائيلية وليست أراضي محتلة، وهو ما حصلت عليه في صفقة القرن عبر منحها الحق في ضم المستوطنات لأراضيها.

من يعتقد أن صفقة القرن ستحل المشكلة الإسرائيلية على أرض فلسطينف هو مخطئ لأن المشكلة الإسرائيلية هنا تتركز في نقطتين: السيطرة على الأرض وهذا ما تحقق، والثانية هي إخلاؤها من الفلسطينيين، وهذا هو عنوان المرحلة القادمة.

يشكل الوجود الفلسطيني في أرض فلسطين التاريخية المشكلة الأبرز للاحتلال، حيث يقطن قرابة 7 ملايين فلسطيني، موزعين على مليونين في قطاع غزة، وثلاثة ملايين في الضفة الغربية، ومليونين تقريباً في أراضي 48. وقد حاولت صفقة القرن التخلص من قضية فلسطيني الداخل عبر إلحاق منطقة المثلث، بمن فيها من سكان في الدولة الفلسطينية.

وبدأت إسرائيل تدرس خطوات عملية للتخلص منهم عبر سن قانون القومية الذي أقره الكنيست عام 2018، حيث يرى الاحتلال أن استمرار وجود مليوني فلسطيني مع ضم الضفة التي يقطنها ثلاثة ملايين آخرون، بينما عدد اليهود في دولة الاحتلال قرابة ستة ملايين ونصف، يعني تقاربا شديدا في عدد الفلسطينيين واليهود. وبالنظر إلى أن الفلسطينيين يتزايدون بشكل كبير، يخشى الاحتلال أن يصبح اليهود قلة في دولة جل سكانها فلسطينيون بعد عقد أو عقدين من الزمن.

لم تلتزم إسرائيل بأي اتفاق واعتمدت سياسة التدرج، فتبدأ بالموافقة ثم تفسير البنود وفق ما يناسبها، بينما تستمر في فرض الوقائع وإجراءاتها الأحادية في الجوانب الأخرى. هكذا تعاملت مع أوسلو وهكذا ستتعامل مع صفقة القرن.

وليس غريباً أن نسمع أصوات معارضة من اليمين الإسرائيلي للصفقة، التي تمنحهم فقط 30 في المئة من الضفة، بينما يعتبرون الضفة هي قلب دولة "إسرائيل" ويجب ضمها بالكامل، وتهجير السكان إلى الأردن.

وفيما يتعلق بغزة التي لا توجد إمكانية لبقائها بالمساحة الحالية يقطنها مليونا فلسطيني، وتوسيعها أمر لا مفر منه في المستقبل بالنظر إلى مستوى الزيادة السكانية في القطاع، صاحب أعلى كثافة سكانية في العالم، إلا أن ما عرضته صفقة القرن هو توسيعه باتجاه النقب ضمن تبادل الأراضي، لكن حتى هذا البند مشكوك في أن يقبل الاحتلال به، ومخططه الدائم كان دفع الفلسطينيين خارج أرض فلسطين. وعليه، قد يكون الخيار الأفضل للاحتلال هو توسيع غزة تجاه سيناء وإعادة اللاجئين إليها وبعض سكان الضفة الغربية، وفق خطة وضعها مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، اللواء احتياط "غيورا أيلاند"، فيما قضية التواصل بين الضفة وغزة عبر نفق أرضي أو غيره ستمنع إسرائيل حدوثه بأي طريقه، كونها تعمل منذ العام 2002 وفق استراتيجية قائمة على الفصل الكامل بين المنطقتين، وأي فرصة للتواصل ترى فيها تهديدا لأمنها.

وبناء على ما سبق، فإن مخاطر التهجير ستتصاعد بشكل واضح خلال الفترة القادمة. وصفقة القرن لن تكون الأخيرة، فقد ضمنت هذه الصفقة للاحتلال ضم الأرض، لكنه بحاجة لصفقة مستقبلية تضمن له شرعنه التخلص من الفلسطينيين، فهل يعود مشهد الشاحنات الكبيرة تنقل اللاجئين الفلسطينيين نحو الأردن وسيناء؟
التعليقات (0)