مقالات مختارة

أنقذوا حي سلوان بدلا من الاعتقالات

علي الصالح
1300x600
1300x600

 شو اللي بيصير وإيش اللي بتعملوه يا جماعة؟ فكرنا أنكم تعلمتم من حادثة مقتل الناشط نزار بنات من مدينة الخليل، على أيدي معتقليه من رجال الأمن الفلسطيني، الذين يعتقد أنهم ينتمون للأمن الوقائي بقيادة اللواء زياد هب الريح، المرشح لحقيبة الداخلية في التعديل الوزاري المقبل، على حكومة محمد اشتية.


لكنكم، كما يبدو، مصرون على الاستمرار في الخطأ وتفتحون على أنفسكم مزيداً من أبواب يفترض أنكم تعملون على إغلاقها، أو أغلقتموها، تعتقلون مواطنين هم رموز وطنية وقادة رأي وأسرى محررون زاد عددهم على الـ15 مواطنا، أمثال الأسير المحرر/ مكرر خضر عدنان وغيره لمجرد أنهم يحيون الذكرى الشهرية الثانية لمقتل نزار بنات.


مجددا نؤكد موقفنا الرافض للاعتقال السياسي، بأي شكل من الأشكال، والرافض أيضا لمبدأ الاعتقال، والسبب الوحيد الذي نقبل به، إذا كان لدرء الخطر عن الشعب الفلسطيني ومؤسساته، وهو ليس كذلك في هذه المناسبة.

 

وكذلك إذا كانت هذه الاعتقالات موجهة ضد تجار المخدرات والحرامية والمجرمين والقتلة والعملاء ومسربي الأراضي والعقارات وبائعيها للمنظمات والجمعيات الاستيطانية، لاسيما في القدس، وعلى وجه الخصوص في حي سلوان الحاضنة الجنوبية للمسجد الأقصى والدرع الواقية له.

 

إن أقصى ما كانت ستفعله الوقفة الاحتجاجية التي دعت إليها فصائل من منظمة التحرير، ومنها الجبهتان الديمقراطية والشعبية لتحرير فلسطين، وحزب الشعب الفلسطيني، وحركة المبادرة الوطنية، والاتحاد الديمقراطي الفلسطيني «فدا» وكلهم ممثلون في اللجنة التنفيذية للمنظمة باستثناء المبادرة، هو رفع شعارات والهتاف لسويعات تعبيرا عن غضبهم للتأخير في الإعلان عن نتائج التحقيق، ورفضهم لمبدأ الاعتقال السياسي والإفراج عن معتقلي الرأي. وهو موقف يتبناه كل الفلسطينيين الشرفاء، ونحن معهم. وقد أكد الرئيس محمود عباس ومركزية حركة «فتح» قبل أيام أنهم يعتبرون موضوع الحريات مقدسا، ولكل الفلسطينيين الحق في التعبير عن رأيهم وفق القانون، على أن يعرف الجميع حدود التعبير عن الرأي، بعيدا عن التخوين والتشهير الذي لا يعتبر جزءا من ثقافتنا الوطنية كما يقولون. وفي هذا السياق تساءل متسائل «شو اللي متضررة منه السلطة والأجهزة الأمنية عندما تقف مجموعة من الأشخاص منددين بقمع الحريات ومطالبين بمحاكمة قتلة بنات، لكي تعتقل قامات وطنية حتى لو رفعت أي شعار وهتفت بأي هتاف (باستثناء التخوين والقدح والذم) فهذه القامات مشهود لها بالوطنية ولها وزنها؟ لماذا نرجع لنقطة الصفر؟ ناس بيعتصموا بأدب وحق الاعتصام مكفول ولا بيسكروا (يغلقون) شوارع ويقفون بأدب ويعبرون عن مواقفهم بأدب قبل أن يعودوا إلى منازلهم. هم أناس وطنيون (ونكرر) لا هم تجار مخدرات ولا مجرمون ولا سماسرة أراضٍ».


ما قامت به أجهزة الأمن الفلسطينية من اعتقالات خطأ، بل هو خطأ فاحش يضاف إلى الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها في الآونة الأخيرة، وعليها وبسرعة أن تجد الوسيلة لتقويم أفعالها وتعود لصوابها وضمان عدم تكرارها. الاعتراف بالخطأ ليس جريمة، بل فضيلة واعتقدنا خاطئين أن ذلك تم بُعيد مقتل بنات، وتحمل السلطة المسؤولية عن ذلك وطالبنا بالتعجيل في الإجراءات، والتعامل مع القضية بجدية والتوصل إلى نتائج سريعة لإغلاق الملف ووضع الفاعلين وراء القضبان، بما يرضي أسرته وينسجم مع القانون.


الاعتقالات السياسية خطأ، خاصة عندما تطال قامات وطنية مشهود لها بوطنيتها، واعتقالها يؤلب الناس عليكم، ويفتح أبوابا أنتم في غنى عنها. أطلقوا سراح معتقلي الرأي والاعتقالات السياسية، واقفلوا هذا الملف، وهذه الدعوة موجهة أيضا إلى سلطة حركة حماس في قطاع غزة، فبدون إقفال هذا الملف لن تكون لنا عين لمطالبة سلطات الاحتلال بوقف انتهاكاتها اليومية ضد الفلسطينيين. وكي لا نجعل من حادثة مقتل بنات قميص عثمان، والشماعة التي تعلق عليها كل الأخطاء، يجب أن لا تواصلوا الاجراءات الخاطئة والاعتقالات غير المبررة وغير المفيدة لمتظاهرين ومحتجين على مقتل بنات، ما يسيء لصورة السلطة التي يجب أن تحاول تبييض صورتها أمام شعبها لا تسويدها، في ظل غياب الانفراج السياسي والأوضاع الاقتصادية السيئة للغاية وعودة فيروس كورونا للانتشار، وتصاعد الإجراءات الاحتلالية القمعية والاعتداءات والقتل ومصادرة الأراضي، وتسريب العقارات في القدس للمستوطنين. وكما قلنا سابقاص فإن هناك العديد من الذين سيستغلون هذه القضية إلى أبعد الحدود وأنتم بهذه الاعتقالات إنما تمدونهم بالذخيرة الحية.


لا بد من إغلاق ملف نزار بنات في أقرب فرصة وتقديم المسؤولين عن مقتله للعدالة، فلا تبقوا هذا الجرح الدامي مفتوحا ومشرعا على مصراعيه، فالمماطلة في ذلك ليست في مصلحة أحد، ولن يخدم سوى خصومكم السياسيين وطبعا الأعداء والعملاء ومسربي الأراضي.

 

بأفعالكم هذه إنما توسعون من رقعة الغضب عليكم، وكذلك الاحتجاجات والتظاهرات التي هي حق أصيل للناس مكفول قانونيا ودستوريا.

 

اقرأوا ما يكتب وينشر من نتائج استطلاعات وتعلموا منها، فحسب آخر استطلاع فإن غالبية المستطلعين (69%) تنظر سلباً لطريقة تعامل السلطة مع مقتل بنات، وما تلاها من أحداث، فيما رأى 60% أن لجنة التحقيق التي تم تشكيلها من قبل الحكومة الفلسطينية غير محايدة، ورأى 44% من المستطلعين أن الأجهزة الأمنية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة تنتهك حقوق الإنسان بالقدر نفسه.

 

وفي الوقت نفسه فإن عائلة بنات المكلومة تخطئ بنقل القضية إلى الخارج لنيل العدالة لابنهم، بل عليها أن تحق الحق في وطنه لا خارجه.

 

فلا سلطة خارجية يمكن أن تحق حق ابنها، أتفهم الألم والغضب الشديدين، اللذين في بعض الأحيان يخرجان الإنسان عن التفكير الصائب. لكن اللجوء إلى بريطانيا، على وجه الخصوص، لن يوصلها إلى ما تربو إليه.

 

فإذا كانت بريطانيا سبب آلام جميع الفلسطينيين وعذاباتهم، بفعل وعد بلفور، ولا تزال ترفض إحقاق حق الفلسطينيين، وترفض إنصافهم رغم مرور أكثر من مئة عام على الوعد المشؤوم، الذي أعطى اليهود دون وجه حق، الحق في إقامة دولة يهودية في فلسطين.

 

ليس هذا فحسب بل إن بريطانيا ترفض حتى الآن الاعتراف بالظلم الذي أوقعته على الشعب الفلسطيني، دولة كهذه لا تتوقعوا منها خيرا في أن تعيد الحق لأصحابه، وكما يقول المثل «يا طالب الدبس من النمس».


وأختتم بنصيحة للسلطة الفلسطينية أن تركز جهودها على مكافحة تسريب الأراضي واعتقال المسربين والسماسرة، بدلا من اعتقال محتج يقف في ميدان المنارة لبضع ساعات يعبر فيها سلميا عن معارضته لقضية ما.

 

فلتركز الجهود على مواجهة الاستيطان وعمليات تسريب الأراضي، بدلا من تفتيها وهو ما لا نحتاجه في هذه المرحلة وكل المراحل المقبلة ولا مجال للتراخي.


والشيء بالشيء يذكر فقد استيقظت بلدة سلوان المستهدفة استيطانيا، يوم الثلاثاء الماضي، على أعلام إسرائيلية ترفرف في منطقة الحارة الوسطى من البلدة، كإشعار باستكمال السيطرة على بنايات ثلاث وقطعة أرض، سربت لجمعية عطيرت كوهنيم الاستيطانية في مطلع شهر إبريل الماضي، في عملية استيطانية هي الأضخم التي تسرب فيها منازل المقدسيين بطرق معقدة وغير مباشرة (ثلاث بنايات وقطعة أرض) لكن من دون أن يترتب على هذا الفعل الخطير أي إجراء رسمي، ولا حتى غير رسمي فلسطيني، إجراء رادع يضمن تراجع عمليات التسريب.

 

ويرتفع عدد البؤر الاستيطانية في البلدة بذلك إلى 78 بؤرة وسط نحو 60 ألف فلسطيني يعيشون في البلدة. والوضع كذلك فإن كل ما كان بوسع أهالي سلوان فعله هو قذف المستوطنين وقوات الاحتلال بالحجارة. المطلوب فعل شيء أكبر وبسرعة، وبدلا من بعثرة الجهود وتضييعها على الاعتقالات السياسية، فلنركزها على وضع المخططات والسياسات لوقف تسريب الأراضي ومنع التهويد المنظم للقدس ومقدساتها.

 

عن القدس العربي اللندنية

0
التعليقات (0)