مقالات مختارة

هل بعث حلف الناتو فعلا من "حالة موته السريرية"؟

بيير لوي ريمون
.
.
بعد أن انعقد مؤتمر الناتو الأخير في ليتوانيا، تناغم عدد من المحللين مع شعور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي بالإحباط من تخفيض سقف التوقعات المنتظرة الذي كان قد بنى عليه آمالا عريضة، لكن مراقبين آخرين لم يفاجأوا عندما ركزوا تحاليلهم في حدود ما يمكن توقعه داخل إطار منظومة الحلف التي لا تتضمن بنودها إجراءات استثنائية لقبول عضوية جديدة في زمن حرب. لذا، عندما سمعنا البعض يعربون عن امتعاضهم من «جدوى التزام الحلف بدعم أوكرانيا على مدى 25عاما…فيما المفروض أن يأتي الدعم في غضون ستة أشهر قبل أن تتحول الحرب إلى حرب تمترس عند بدء الشتاء» وقع خلط، خلط بين دعمين، الدعم السياسي والدعم العسكري، خلط بين مهمة التأطير القانوني لحماية المشتركة للدول الأعضاء، وقرارات الدعم بالعتاد العسكري الصادر عن سيادة الدول. وما استيفاء شروط الإصلاح السياسي بما يشمل تثبيت ممارسة ديمقراطية مستدامة (زيلنسكي لا يزال في طور التجربة) ومحاربة الفساد (التي هي أيضا في طور التجربة) سوى مرآة عاكسة لخطاب منتظر من مؤسسة تتجنب الإفصاح عن السبب الجوهري لعدم الدفع قدما بطلب عضوية بلد في حالة حرب: «تحول بقية الدول إلى دول محاربة في حال الاعتداء على أحدها» وفق المنصوص في البند الخامس من المنظمة.

وكان مثيرا للتحفظ أيضا الخلط، اللاشعوري في أكثر الحالات تفاؤلا، بين صناعة القرار الأطلسي الأمريكي وصناعة القرار الأوروبي عبر تصريحات القياديين الأوروبيين الرئيسيين الثلاثة ماكرون وشولتز وسوناك الذين أبدوا حماسا في تزويد أوكرانيا بالمزيد بما لم ينسجم مع حذر جو بايدن الذي علمنا كيف يجب التفريق في السياسة الدولية بين إطلاق أكثر الأوصاف تشددا على بعض القادة كما فعل في حق بوتين، واتباع التفكير البراغماتي الذي يلزم فعل كل ما يمكن لتجنب صراع نووي. لا يملك المعسكر الأوروبي أن يتحرك مستقلاً في مجال الدفاع المشترك، وهي نقطة شائكة تعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية حين رفضت فرنسا سنة 1949دعم خطة إعادة تسليح ألمانيا الشرقية (وكانت تشاطر في هذه النقطة الموقف الروسي الذي أوصل بروسيا إلى إنشاء حلف وارسو في العام 1955). وما التنافس الفرنسي الألماني بخصوص نظام سكاي شيلد الدفاعي سوى ترسب من ترسبات هذه الخلفية.

من بنود الحلف الرئيسية التي كثيرا ما يتم تناسيها أن طبيعة الناتو عسكرية وسياسية معا، بما يعني أن، بغض النظر عن الانطباع الذي يعطيه رؤساء الدول أمام عدسات الكاميرات ـ بمن فيهم الرئيس الفرنسي الذي أبقى هذا المنطق قائما أيضا ـ يتم تقديم الحلف في صورة منظمة مستنسخة عن الاتحاد الأوروبي وكأن مشروعهما واحد، والمشروع العسكري أساسا.

لكن نهاية الحرب الباردة أرخت لطبيعة جديدة من العلاقات مع روسيا لا تقبل الرجعة. ومن أكثر الأخطاء الدبلوماسية التي أرساها سياق الصراع الدائر في أوكرانيا التعامل مع روسيا كأن الحرب الباردة لم تكن، بعبارة أخرى، كأن شراكة السلام مع روسيا التي أقامها الحلف في العام 1994 لم يكن لها وجود، فيما كان بالإمكان أن تشكل قاعدة للمفاوضات منذ بواكير الصراع الروسي- الأوكراني، خاصة لتسوية أكثر الملفات إعاقة للمضي قدما، أي ضمان أمن الجناح الشرقي لروسيا.

لقد طويت صفحة بعد السياق الذي أرخ له كل من سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا وقيام روسيا الفيدرالية، لم يعد ممكنا التفكير دبلوماسيا بعد المنعطف الذي سجله تاريخا 1989 و 1991 كما كان يتم التفكير قبل هذا المنعرج، وأعني هنا تحديدا في كيفية التعامل مع الكتلة الشرقية: فقد أدى كل من توسع حلف الناتو إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي المتفكك والنزاعات في يوغسلافيا السابقة ومحاربة الإرهاب الدولي والحد من انتشار السلاح النووي إلى إرساء شراكة بين الحلف وأوروبا وأيضا، وتحديداً، بين الحلف وروسيا و منطقة نفوذها والدول المحايدة.

وهذا رسم إطارا جديدا من المفروض أن يجعل من المهمة الدبلوماسية الأوروبية مهمة فاعلة تثبت فعاليتها.

لكن يغيب من قادتنا في المنصات الرسمية أن الصراع الروسي – الأوكراني قائم منذ ثمانية أعوام، وأن المؤسستين الاتحادية والأطلسية لم تنبسا ببنت شفة عند ضم جزيرة القرم، وأن اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا بقي حبرا على ورق، وأن الحكم الذاتي لكيانات دونييتسك ولوكانسك لم يحسم على نقيض المفترض من اتفاقيات منسك، وأن تسليم طائرات F16 لا يزال موضع تريث وتململ وأن برأي عدد من الخبراء لا يمكن أن يشكل في أية حال نقطة الحسم في وجه صواريخ S400 الروسية.
يقول الخبير الفرنسي المعروف في السياسة الدولية جان فرانسوا كولوسيمو:

«لا أحد مستعدا لاسترجاع سيادة كاملة لأوكرانيا على أراضيها بمواجهة 6300 رأس نووي روسي والمخاطرة بتفكك روسيا الاتحادية، لأنك حينها لن تواجه حربا واحدا و إنما آلاف الحروب».
إذن، لا خيار سوى خيار التفاوض، لكن الصوت الدبلوماسي المفترض سماعه من الدول الأوروبية المجاورة لا يزال مكتوما.

قد تسمع حديثا (صحيح نسبيا فقط) عن وحدة مسترجعة في صفوف دول حلف شمال الأطلسي بإدانة الصراع في أوكرانيا وتزويد الأخيرة بالسلاح وهو الحديث الذي أعطى الانطباع بخروج الناتو من «حالة الموت السريرية» التي وصفه بها عدد من المعلقين. لكن في المجال الدبلوماسي، تبدو الغيبوبة هي الغالبة.

(القدس العربي)
التعليقات (0)