كتاب عربي 21

بهدم القبور والذاكرة وتشييد الكباري وبناء السجون تتأسس "الجمهورية الجديدة".. مفاهيم ملتبسة (67)

سيف الدين عبد الفتاح
هدم المقابر في مصر لإقامة مشاريع طرق- فيسبوك
هدم المقابر في مصر لإقامة مشاريع طرق- فيسبوك
بين الكباري والقبور والسجون تدور منظومة الثالث من يوليو وتعمل على أن تدور مصر معها، ولا تترك فرصة لأي صوت ينتقد هذا الدوران، فعقب ساعات قليلة من إعلان الدكتور أيمن ونس، أستاذ التصميم العمراني البيئي ورئيس لجنة حصر المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز بالمنطقة الشرقية، استقالته من رئاسة اللجنة اعتراضا على هدم المقابر الأثرية في مصر، لم يكن أمامه إلا المسارعة لتوضيح موقفه وإعلان تقديره للجهود التي تقوم بها الدولة.

هكذا تعمل هذه السلطة التي تريد تغيير موقع وموضع مصر بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، وقد نجحت في ذلك نجاحا لا تغبط عليه، وهو "النجاح التخريبي الممنهج"، فهي قد تنازلت عن تيران وصنافير، وتخلت عن نهر النيل، وسجنت وهجّرت الآلاف من المصريين، وتعمل على تهجير المواطنين من سيناء وتغيير ديموغرافية المكان في إطار خطة سرية لا نعلم عنها شيئا، وكأن هذا البلد ملكية خاصة لهذه المنظومة تعمل فيها ما تشاء أنّى تشاء، دون أي اعتبار لفرد أو مؤسسة أو أي تكوينات جمعية اجتماعية كانت أو سياسية، وتمارس فيها ما تجيده من هدم المقابر التاريخية وبناء السجون (المقابر الحالية) للأحياء، وتحقيق أهدافها بأن تكون هناك شبكة طرق "كباري" تستطيع من خلالها التحكم في البلاد بقبضة من حديد وتجعلها ميدانا لفساد عريض يستحق مسمى "فساد السبوبة"؛ هكذا تستبيح هذه المنظومة حرمة الأموال وكرامة الأحياء، فكباريهم التي لا تنفع الأحياء تهدم قبور الأموات.

فلم يسلم من هذا النظام أحد أو شيء أو رمز أو فكرة أو مجال، فهذا النظام لا يتوقف عن القتل العمدي ماديا كان أو معنويا على مدار أيامه وسنينه، وكأن التخريب لديه صار سياسات واستراتيجية، لا يتوانى عن استخدام كل ما يلزم لتحقيقها؛ فهو يهدم القبور والآثار التاريخية لطمس الذاكرة وقتلها، ويمارس ما يمكن أن يسمى التطهير العرقي بأثر رجعي لمصر وتاريخها؛ بطمس ذاكرتها وتشويه ما تبقى منها، ويبني السجون لقتل الأحياء واعتقالهم واختطافهم والتحكم في إرادتهم، ويبني الكباري باعتبارها سبوبة الفساد الكبرى التي لا تنتهي

إن القول بأن هذه المنظومة تتعمد تقديم أسوأ ما يمكنها على كافة المستويات والمحاور أمر واقع وعليه الكثير من الأدلة والحجج والبراهين والمؤشرات، حتى أن عددا من منظمات حقوق الإنسان أشارت في بيان لها بمناسبة مرور عشر سنوات على خطاب التفويض الذي ألقاه رئيس هذه المنظومة؛ إلى أن السنوات العشر الأخيرة للدولة المصرية هي الأسوأ في مجال حقوق الإنسان. وهنا نؤكد أن الأمر يشمل كل العوالم في مصر سواء الإنسان أو الأفكار أو الرموز وحتى الأشياء، فلم يسلم من هذا النظام أحد أو شيء أو رمز أو فكرة أو مجال، فهذا النظام لا يتوقف عن القتل العمدي ماديا كان أو معنويا على مدار أيامه وسنينه، وكأن التخريب لديه صار سياسات واستراتيجية، لا يتوانى عن استخدام كل ما يلزم لتحقيقها؛ فهو يهدم القبور والآثار التاريخية لطمس الذاكرة وقتلها، ويمارس ما يمكن أن يسمى التطهير العرقي بأثر رجعي لمصر وتاريخها؛ بطمس ذاكرتها وتشويه ما تبقى منها، ويبني السجون لقتل الأحياء واعتقالهم واختطافهم والتحكم في إرادتهم، ويبني الكباري باعتبارها سبوبة الفساد الكبرى التي لا تنتهي.

هذا النظام لا يسمع لأحد، فالاستقالات والاعتراضات على مواقع التواصل الاجتماعي والإجراءات القضائية والبرلمانية الخجولة والمتأرجحة لم توقف هذا السيل الهادر من التخريب المتعمد والهدم شبه اليومي، وهو يفعل ذلك دون أن تكون هناك ضرورة حقيقية له، بل ويمكن القول بأنه لا يوجد تخطيط له، وذلك باعتراف رئيس هذه المنظومة بنفسه الذي أكد أنه لا يعتمد على دراسات الجدوى، وإن اعتمد لم يكن ليحقق ربع ما تم إنجازه، بل إن كثيرا من المشاريع باتت تشكل خطورة على المواطنين.

ولعل ما رصده الباحث هيثم غنيم في تحقيق له نشره مؤخرا عن محطة كهرباء غرب أسيوط عقب انهيار أحد أحواض مياه التبريد فيها، يمثل نموذجا على المشاريع التي لم يخطط لها وتم تنفيذها لتحقيق مصالح شخصية لهذه المنظومة، في ظل مناخ الفساد والإفساد الذي تعيش فيه هذه المنظومة واستعدادها لتقديم أي ثمن مقابل ترسيخ وجودها وتثبيت أقدامها على حساب الوطن والمواطنين وامتهان كرامة العباد والاستهانة بمقدرات البلاد.

لا تختلف سياسة منظومة الثالث من يوليو في بناء الكباري وهدم المقابر عن سياستها المتبعة في إنشاء وإدارة السجون، فهناك اهتمام غير مسبوق بزيادة عدد السجون وزيادة مساحتها، ورغم ذلك لا تزال مشكلات الاكتظاظ، والقتل العمدي من خلال الإهمال الطبي والتعذيب؛ كما هي بدون أي تطوير أو معالجة

لا تختلف سياسة منظومة الثالث من يوليو في بناء الكباري وهدم المقابر عن سياستها المتبعة في إنشاء وإدارة السجون، فهناك اهتمام غير مسبوق بزيادة عدد السجون وزيادة مساحتها، ورغم ذلك لا تزال مشكلات الاكتظاظ، والقتل العمدي من خلال الإهمال الطبي والتعذيب؛ كما هي بدون أي تطوير أو معالجة. وقد رصدت العديد من تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية أوضاع السجون والتدهور الحاصل فيها، خاصة في ظل استمرار حالات الوفيات داخل السجون والتي سجلت حتى الشهر الماضي ما يزيد عن 19 حالة منذ بداية العام الجاري، وهو رقم قريب من حالات الوفاة في السجون المصرية خلال الأعوام الماضية. ففي عام 2021 قتل 57 سجينا، وفي عام 2022 قتل 51 سجينا، وإحصاءات النصف الأول من العام الحالي تقارب نصف ما قُتل في السنوات الأخيرة، فهذا النظام يتعامل مع المعتقلين بأنهم رهائن يقايض بهم المعارضة ويفرض سياسات الترويع والتخويف، كما يقايض الدول الغربية.

إن تسعير السجناء والمعتقلين سياسة خاصة بهذه المنظومة التي تحرص على الحفاظ على عدد معين من السجناء، ففي الوقت الذي يتم الإفراج فيه عن بعض النشطاء المشهورين وتتاجر الدولة بمثل هذه اللجنة وتلك السياسة، يتم سجن أعداد مضاعفة لمن يتم الإفراج عنهم، حتى عندما تفرط الدولة في بعض الأوراق -السجناء- المهمة تسارع باعتقال سجين ذي ثقل دولي مهم حتى لا تفقد أهمية "سلعة" السجن قيمتها وتحافظ على أن تكون ورقة مؤثرة في الداخل والخارج. وهي في هذا المقام لا تزال تبشرنا بسجون حديثة تسميها وفق الإعلان الذي روجت له "فرصة للحياة" وتبشر في قادم الأيام بسجون أسمتها المستقبل.

إن انشغال منظومة الثالث من يوليو بترسيخ نظامها الاستبدادي وجمهوريته الجديدة المزعومة، وارتكاب جميع الموبقات الاستبدادية بما تشكل أعتى نظم الاستبداد في التاريخ النموذج الفرعوني وكذا نموذج النمرود؛ الذي افتتن الفرعون بطغيانه.. "أنا ربكم الأعلى"، "ما علمت لكم من إله غيري".. وافتتن الثاني بقدرته الزائفة فقال متباهيا "أنا أحيي وأميت".. لم يتوعد فقط الأحياء بالسجن والقتل والتصفية والإخفاء القسري، ولكن هذه السياسة شملت الرمز والتاريخ، فأهدرت المنظومة قيمة الوطن التاريخية ومكانته الحضارية وشخصياته التراثية ومعالم هويته وذاكرته الحضارية، وباتت تستهدف مصر المكان والمكانة فأهانت المكان واستهانت بالمكانة.

بين كباري السبوبة الفسادية والإفسادية، وبناء السجون المستجدة للمستقبل وكفرصة للحياة ومطاردة الأحياء، وهدم قبور الرموز وطمس الذاكرة بل قتلها المتعمد ومطاردة حتى الأموات بل هوادة، وبمنطق الطاغية "أنا أحيي وأميت"، تنشأ عاصمة جديدة لجمهورية جديدة؛ تراكم الفساد والفشل والفاشية

التاريخ لن يرحم أحد وسوف يسجل على هذه المنظومة ما قامت به من إهدار وتفريط، وسيرصد من ساعد هذه المنظومة في تخريبها وتفريطها، وحينها لن يكون باستطاعة أحد أن يختبئ خلف مقولة "كنت عبدا مأمورا"؛ لأن ما يحدث لا يحتمل التأويل بل هو تخريب متعمد واضح وفاضح، وفساد مقيم وإفساد مقصود عظيم، وفساد مربح ومأمول لمنتفعي السبوبة، ولم يعد إلا أن نؤكد على ما ذهبت إليه أستاذة قديرة في العلوم لسياسية اهتمت بدراسة المكان والسلطة والطغيان بقولها إن "هذا المشهد الواضح ليس مصادفة ولا قلة كفاءة في إدارة طبقات المدينة الثقافية والتاريخية، بل هو قرار، تُمحَى به معالم وتواريخ لصالح معالم وتواريخ أخرى.. وصور لصالح صور أخرى، بعضها قديم وبعضها جديد".

بين كباري السبوبة الفسادية والإفسادية، وبناء السجون المستجدة للمستقبل وكفرصة للحياة ومطاردة الأحياء، وهدم قبور الرموز وطمس الذاكرة بل قتلها المتعمد ومطاردة حتى الأموات بل هوادة، وبمنطق الطاغية "أنا أحيي وأميت"، تنشأ عاصمة جديدة لجمهورية جديدة؛ تراكم الفساد والفشل والفاشية.

twitter.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (1)
نسيت إسمي
الأربعاء، 06-09-2023 07:44 ص
4 ـ (شخص يمشي في الشارع يدوين حدثة و يرسلها للعالم و هي إنتهاك حرمة أمير الشعراء) هدم المقابر التاريخية .. هل يتعمد النظام تشويه مصر؟ .. أحمد شوقي القيمة و المعنى الشعر يُصادِق الحياة لا تبكي على زمن ضاع العمر فيه بل إبكي على بشر خاب الظن فيهم .. نموذج المرأة المسيطرة فى مسلسل الراية البيضاء الدراما الاجتماعية تبقى راسخة في أذهان المشاهدين لأنها في الأغلب تكون محاكاة للواقع عبر صحافة حيث يهتم الكثير من الناس بمشاهدة ومتابعه الاخبار، أحداث المسلسل تدور حول أن هناك سيدة من أثرياء تجارة السمك ترغب في الاستيلاء على قصر أثري، يقيم به أحد السفراء في فترة تقاعده، وتتوالى أحداث المسلسل ويشتد الصراع بين "فاطمة المعدواي" والتي جسدت هذا الدور سناء جميل، وبين السفير المتقاعد " مفيد أبو الغار" والذي جسده جميل راتب، وتتصاعد الخلات، لكن في النهاية لم تستطع "فاطمة المعدواي" الاستيلاء على القصر، لأن "مفيد الغار" وأصدقائه المخلصين وقفوا لها ومنعوها من هدم القصر أثناء محاولتها المجيء بأدوات الهدم كالجرافة، لتنتقم من "مفيد الغار"1988 من إلى 2023 "أوقفوا نزيف الثراث".