مقالات مختارة

خطوات عاجلة لإحباط المخطّط الأميركي الإسرائيلي

عبد المجيد سويلم
جيتي
جيتي
لا نحتاج لقراءة المخطّط الأميركي الإسرائيلي إلى التنجيم أو الدخول في متاهات «سيناريوهات ما بعد الحرب على غزّة»، ولا نحتاج حتى إلى انتظار عمّا ستسفر عنه هذه الجولة الجهنمية الجديدة من الحرب.

وليس مهمّاً على الإطلاق ــ بالنسبة للشعب الفلسطيني، وبالنسبة لقواه السياسية التي تتولّى مسؤولية إدارة الحالة الوطنية كلّها ــ إذا كانت خطط «تقسيم» القطاع إلى عدّة مُربّعات، أو حتى شروع الجانب الإسرائيلي ببناء «عوازل أمنية»، في، وبين هذه المربّعات، أو حتى إعادة «هندسة» التهجير الداخلي، ودفع القسم الأكبر وحشره في القطاع الجنوبي.. ليس مهمّاً كلّ هذا لأنّ كلّ ما قامت به إسرائيل حتى الآن، وكلّ ما هو متوقّع أن تقوم به في كلّ هذه الاتجاهات لن يُعطي لإسرائيل أيّ نتيجة جوهرية في إطار استهدافاتها من هذه الحرب، ومن هذه الجولة منها تحديداً.

الشيء الذي سيُعطي إسرائيل فرصة حقيقية للادّعاء بـ»النصر» هو ألا تكون الحالة الوطنية الفلسطينية قادرة على إحباط هذه الخطط، وألا تكون جاهزة في مواجهتها، خصوصاً إذا بقيت حالة التصدّي الميداني على نفس الوتيرة، وبقيت فصائل المقاومة على نفس درجة القدرة على إيقاع الخسائر في صفوف قوّات الغزو والاحتلال.

هذه المعطيات هي الحاسمة في إحباط الخطط الصهيونية وذلك لأنّ دولة الاحتلال تعرف أنّها باتت محكومة بعدّة عوامل لم يعد بإمكانها التغاضي عنها أكثر بعد الآن، ولعلّ هذه العوامل واضحة وبيّنة، ولم تعد تحتاج إلى اجتهادات خاصة.

العامل الأكبر والأهمّ هو عامل الوقت.
إسرائيل تكذب على مجتمعها، وتكذب على بعضها البعض، وتكذب على العرب وعلى العالم من أنّ عامل الوقت لا يعنيها، وهي تعرف أنّها تكذب، والمجتمع الإسرائيلي، بما فيه المجتمع السياسي فيها، والعرب والعالم يعلمون كلّهم أنّ إسرائيل تكذب، وإسرائيل تعرف أنّ كلّ هؤلاء يعرفون بأنّها تكذب.

ليس فقط هذا كلّه، وإنّما تكذب إسرائيل عندما تتحدّث عن حربٍ طويلة، قد تمتدّ لعدّة شهور، لأنّ المسألة تتعلّق بعدّة أسابيع، والحقيقة أنّ الأمر كلّه لن يتعدّى أكثر من ثلاثة أسابيع حسب عدّة تقارير مُقرّبة، وهي تقارير إسرائيلية مقرّبة جدّاً من الدوائر الخاصة في الإدارة الأميركية.

يمكن أن تبقى القوات الإسرائيلية مستحكمة في بعض المفاصل والعقد داخل القطاع، ولا تقوم بأعمالٍ هجومية شاملة، وتنتظر «ترتيبات» الحلّ «السياسي»، أو من أجل «تحسين» شروط إسرائيل لمرحلة ما بعد الحرب.. هذا ممكن، ولكن الحرب في هذه الحالة تكون قد انتهت، والقوّات الغازية معرّضة للهجمات، وليس لديها زمام المبادرة في الميدان، وذلك لأنّ المقاومة قادرة على مهاجمتها في أيّ وقت.

العامل الآخر الذي من شأنه أن يُحبط مخطّطات إسرائيل هو أن تصل الأمور عند هذه النقطة دون أن تتمكّن من «استعادة» الأسرى، وهو أمرٌ بالغ الأهمية لكونه عامل تفجير داخلي، وعامل تصدّع كبير في «الإجماع» الإسرائيلي، وعاملاً مؤثّراً للغاية في تدهور الحكومة وسمعة أحزابها.

يُضاف إلى ذلك زيادة الضغط من جبهة الشمال، والجبهات الأخرى، وزيادة ضغط الشارع العربي، وشوارع العالم، والأهمّ من الزاوية السياسية هو زيادة الضغط على إسرائيل من جانب الضفة حتى تتحوّل إلى حالة استنزاف يومي فعّال.

والآن ما هي الخطوات التي يمكن أن يقوم بها الوضع القيادي الفلسطيني بالاستناد إلى كلّ المعطيات السابقة بهدف إحباط وتقويض المخطّطات الإسرائيلية:

أوّلاً، أن تعلن حركة حماس، ومنذ الآن أنّها بصدد فتح حوار شامل مع حركة فتح، بهدف الوصول في أسرع وقتٍ ممكن لإقامة جبهة وطنية متّحدة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية على قواعد ثلاث:
1ـــ التوافق الوطني حيث أمكن، وفي كلّ المجالات.
2ـــ الشراكة الوطنية الكاملة لكامل مرحلة التحرّر الوطني والاستقلال الوطني على أُسس راسخة، وعلى أساس الالتزام الكامل بالبرنامج الوطني الذي يشكّل الإجماع الوطني الشامل.
3ـــ أن تبقى الديمقراطية هي قاعدة الاحتكام للقرار الوطني، وللمؤسّسات الوطنية الجامعة، وكافّة مؤسّسات «المجتمع المدني»، وحيث يتمّ كلّ ما يتعلّق بالتمثيل السياسي، والوطني، والشعبي والمهني.

مقابل ذلك تعلن «فتح» عن استعدادها الكامل لمراجعةٍ شاملة، بتوافقٍ وطني لمسار العملية السياسية، وما أفرزته من أزماتٍ وويلات، وأن يتمّ في ضوء ذلك تحديد برنامجٍ وطني مُقاوِم على قاعدة، ليس «حلّ الدولتين»، لأنّ البرنامج الوطني هو برنامج حقّ تقرير المصير وإقامة الدولة والعودة وليس «حلّ الدولتين».

وأن تلتزم «فتح» بدمقرطة مؤسّسات الحكم، وكلّ مؤسّسات منظمة التحرير على قاعدة أنّ المنظمة هي القائد الفعلي والعملي والمباشر لمسار النضال الوطني، وعلى قاعدة أنّ السلطة الوطنية ليست سوى مؤسّسة لإدارة المجتمع الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال.

وكذلك أن تعلن «فتح» استعدادها الكامل لدخول «حماس» و»الجهاد»، وأي قوى أخرى على أُسس واقعية من حيث نسب التمثيل في المؤسّسات، وعلى أُسس ديمقراطية، وقبل كلّ شيء على أساس الالتزام بالبرنامج الوطني.

توجد قيادات وازنة لـ»حماس» في الخارج، وعشرات من الكوادر الوازنة في «فتح»، وتستطيع «فتح» الدعوة فوراً لحضور هذه القيادات الحوار الوطني الشامل بوجود اللجنة المركزية لـ»فتح»، واللجنة التنفيذية للمنظمة، والأُمناء العامّين، وشخصيات وطنية مستقلّة معروفة لديها مصداقية وطنية ومؤهّلة للتصدّي لمهمّة كهذه.

الآن، وقبل الغد، يكفي أن يتمّ التوافق على هذه الأُسس، ويكفي أن يصدر عن لقاء كهذا يلخّص الوضع في غزة في عدّة أسطر لا أكثر.

كلّ من يبدي أيّ استعداد للتعاون أو التعامل مع مخطّط إسرائيل من أجل إدارة غزة يُعتبر عميلاً للاحتلال، وهو يخرج من الصفّ الوطني، ويتنكّر لتضحيات شعبنا، ويطعن شعبنا في الظهر، وبالتالي سيتمّ التعامل معه على أساس الخيانة الوطنية.

إذا صدر الإعلان عن النوايا بالعمل المشترك، وصدر إعلان منع التعامل مع مخطّطات الاحتلال، فلن تستطيع كلّ قوى «حلف الأطلسي» تحقيق أهداف إسرائيل، وستخرج دولة الاحتلال من القطاع بهزيمةٍ مُدوّية.

واضح أنّ اللقاء والحوار بات ضرورياً عقده في الخارج وليس في الضفة لأسباب معروفة، وأن يتمّ ذلك في عاصمةٍ أو مكانٍ محايد.

(الأيام الفلسطينية)

التعليقات (0)