سياسة عربية

فشل الغرب باختبار الحضارة.. ما فائدة أن يصل الإنسان للقمر لكنه يقتل الأطفال في غزة؟

الدول الغربية تبنت رواية الاحتلال وبررت جرائمه في غزة- جيتي
الدول الغربية تبنت رواية الاحتلال وبررت جرائمه في غزة- جيتي
يزداد توحش العدوان الإسرائيلي على غرة، يوما بعد آخر كلما فشل الاحتلال بتحقيق أهدافه، حتى أكمل الاحتلال كل سلسلة الانتهاكات المدانة بالأعراف الدولية وباتت تهمة جرائم الحرب والإبادة تطارد قادة الاحتلال وحلفاءه، في كل مكان، سوى المنظومة الدولية وأروقة صناعة القرار الغربية.

دعم الغرب بشكل عام وخصوصا ما يعرف "بالديمقراطيات الراسخة" الاحتلال بشتى الطرق العسكرية والاقتصادية والإعلامية, ووصل هذا الدعم حد التواطؤ بتبرير المجازر اليومية ضد الفلسطينيين والتغطية عليها.

تحول الغرب من الصمت على انتهاكات "إسرائيل" إلى الدعم العلني، وإنكار كل ما تراه العين في غزة من مجازر، بطريقة اعتبرها الكثيرون فجة خصوصا من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وكندا.

وعمق الموقف الغربي الشرخ مع الشرق العربي والمسلم، بعد أن ظن الكثيرون أنه تضاءل خلال السنين الماضية، وعادت نظرية العداء للعرب والمسلمين تطرح وبصراحة لتطغى على كل شعارات الإنسانية والقيم للحضارة الغربية.

اظهار أخبار متعلقة



دعم لا متناه
منذ اليوم الأول للعدوان أعلنت الدول الغربية دعم الاحتلال بشكل مطلق تحت ذريعة "الدفاع عن النفس" حتى ضاقت مطارات الاحتلال بالزعماء الزائرين وطائرات إمداد الذخيرة والأسلحة.

كما أرسلت الولايات المتحدة حاملتي طائرات وغواصة نووية للمنطقة دعما للاحتلال ورسالة تحذير بأنها ستدخل المعركة حال مساعدة أحد الأطراف غزة.

وعلى الصعيد السياسي، لم يقل الدعم عن العسكري بالتضامن مع الاحتلال وتبني روايته، حتى بات التلويح بالأعلام الفلسطينية والوقوف مع غزة، أمرا يثير ريبة الشرطة ويعرض الشخص للأسئلة.

يقول الإعلامي والكاتب السياسي أحمد الهواس، إن الجرائم التي تحدث في غزة، جرائم ضد الإنسانية تعتبر امتدادا لما ارتكب في سوريا والعراق من قبل، وأن التبرير لها كشف أكاذيب الغرب بالدفاع عن حقوق الإنسان وما شابه.

وأضاف في حديث لـ "عربي21”, أن هذه الشعارات هي يافطة لقوانين يطبقها الغرب في بلاده، لكن خارجها فإن الدماء مستباحة والقتل مباح، وهناك تغطية على كل الجرائم التي يرتكبها الأمريكيون وحلفاؤهم، خصوصا أنها تأتي تحت بند (مكافحة الإرهاب).

وتابع، "في فلسطين مثلا هناك احتلال باعتراف القانون الدولي نفسه ما يضع (إسرائيل) تحت البند السابع منذ عام 67، لكن ما حدث أن غزة حوصرت وجوعت عندما آلت فيها الأمور لحكومة منتخبة".

بيانات بلون الدم
تعج شاشات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي يوميا، بعشرات المواد المصورة التي توثق جرائم الاحتلال في غزة، من القصف المباشر للمدنيين إلى الإعدامات حتى استهداف المستشفيات والمنشآت المحمية من القصف وفق القانون الدولي.

وبدا أن رقم الشهداء المهول الذي يقترب من 30 ألفا بينهم 12 ألف طفل، أبرز الأدلة التي تدين الاحتلال وعدوانه الدموي.

لكن هذا كله لم تره الولايات المتحدة استهدافا للمدنيين، فخرجت عدة تصريحات اعتبرها الكثيرون مستفزة، تبرئ الاحتلال من جرائمه وتغسل يد نتنياهو الملطخة بالدماء.

ومن بين هذه التصريحات، حديث وزارة الخارجية الأمريكية أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي، "عن عدم وجود أي دليل على أن إسرائيل تقتل المدنيين عمدا خلال حربها على قطاع غزة، وليس لديها معلومات تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تستهدف الصحفيين في هذا الصراع".

وأكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر، "أن إسرائيل تصدر طلبات أكثر تحديدا للإخلاء بجنوب قطاع غزة، وهو تحسن مقارنة بإخلاء مدينة بأكملها"، وفق زعمه.

اظهار أخبار متعلقة



اختبار أخلاقي
وفندت هذه المواقف أحاديث القيم الإنسانية التي سوقتها الدول الغربية وأظهرتها كمدافعة عن قاتل لا يمكن إنكار جرائمه، بل ومشاركة بالقتل.

 وفشلت منظومة القيم باختبار دماء المدنيين في غزة، وانكشفت معها ازدواجية المعايير التي يمارسها تجاه القضايا العالمية.

تقول الكاتبة البريطانية نسرين مالك، في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية، "كانت الحرب في غزة درسا مكثفا في النفاق الغربي لن يتم نسيانه".

وأضافت، "يتم تقديم سرد غير دموي للصراع من قبل القادة السياسيين في بلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يبدو أنه يحذف الحقيقة المحضة وعدد الوفيات ويلجأ بدلا من ذلك إلى لغة سريالية تقريبا تدعو إلى كل الاحتياطات الممكنة لحماية حياة المدنيين".

وتابعت، "هناك حقيقة، لأول مرة يمكنني التفكير فيها، أن القوى الغربية غير قادرة على التظاهر بمصداقية بأن هناك نظاما عالميا من القواعد التي تدعمها. يبدو أنهم يقولون ببساطة: هناك استثناءات، وهذه هي الطريقة. لا، لا يمكن تفسير ذلك ونعم، سيستمر حتى لا يحدث ذلك في مرحلة ما، ويبدو أنه عندما تشعر السلطات الإسرائيلية بذلك".

من جهته أكد الهواس، "أن العدوان على غزة أكد أن المعيار الحقيقي للغرب هو الحفاظ على هذا الكيان الذي زرع بهذه الأرض، وأن لا قيمة لدماء العرب والمسلمين، وإعطاء حق القوة واستخدامها للاحتلال بينما ينزع حق المقاومة من أصحاب الأرض".

واستدرك، "أن هذا المعيار المزدوج يمارس أيضا ضد المسلمين والعرب في الدول الغربية نفسها وكل ذلك يندرج تحت لافتة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل".

وأشار، "إذا كان الحليف مقربا منهم فإن الغرب يغض الطرف عن جرائمه مثل حفتر في ليبيا، أو العراق وسوريا، أما إذا كان المجرم هم من صنعوه فهم أولى بالدفاع عن جرائمه".

نفاق وازدواجية
نددت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بصمت الدول الغربية إزاء المجازر المروعة التي يرتكبها الاحتلال في قطاع غزة، مشيرة إلى أن "نفاق الغرب ومعاييره المزدوجة صارخة وواضحة".

وقالت المنظمة في بيان نشرته على موقعها الرسمي إن "الغرب يصمت إزاء انتهاك إسرائيل القانون الإنساني الدولي، فيما لا يتردد بالتنديد بالانتهاكات الروسية في حربها على أوكرانيا"، مشددة على أن "مطالب القانون الإنساني الدولي بحماية المدنيين تنطبق على الجميع".

وأضافت المنظمة أن "مبدأ عدم المعاملة بالمثل المتأصل في قوانين الحرب ينطبق على جميع النزاعات"، موضحة أن "انتهاك هذه القوانين من جانب طرف لا يُبرر انتهاكات الطرف الآخر".

وذكرت أنه "في حين سارعت الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى إدانة الهجمات التي قادتها حماس ضد إسرائيل والدعوة إلى محاسبة المسؤولين عن ذلك وإطلاق سراح الرهائن إلا أن رد فعلها على انتهاكات إسرائيل في غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول كان صامتا".

واعتبرت المنظمة أن "النفاق والمعايير المزدوجة للدول الغربية صارخة وواضحة"، محذرة من "خطر تقويض هذه المعايير سنوات من العمل المضني لتعزيز وتوحيد المعايير المصممة لحماية المدنيين المحاصرين في النزاعات حول العالم".

يرى الهواس، "أن العدوان على غزة أعاد ووضح التموضع عالميا، فانتصر الصهاينة للغرب مع أنظمة عربية، ولكن لم ينتصر الشرق لغزة، حتى لم يسمح للفعل المدني بنصرة غزة، وهذا بدا واضحا بالدعم اللا محدود للاحتلال".

وعن تأثيرات المواقف الغربية في المجتمعات هناك يرى الهواس، "أن الموقف الغربي من غزة لن يغير حتى تفكير المواطن هناك، خصوصا أن هذا الاصطفاف إلى جانب الصهاينة متكرر، منذ إنشاء الكيان الصهيوني، وبالتالي فإن المواطن الغربي يثق بأن بلاده تدافع عن حقوق الإنسان وما إلى ذلك، وفي الواقع أن ما يهم المواطن الغربي هو ما يلامس حياته هناك من الضرائب إلى الخدمات ومستوى الحياة".

وأوضح، "لكن هذه الأحداث تصنع نخبا مثقفة جديدة في العالم الغربي تقف إلى جانب قضايانا".

اظهار أخبار متعلقة



بوصلة "القيم"
منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن، "إن هناك مخاوف حقيقية من أن تفقد الولايات المتحدة مركزها الأخلاقي بسبب دعم إسرائيل".

ورغم ذلك لم يطرأ أي تغيير على سياسات الولايات المتحدة تجاه العدوان، بل زادت من معوناتها العسكرية والمالية للاحتلال كما منعت وعطلت إصدار بيانات من مجلس الأمن تطالب بوقف إطلاق النار في غزة.

ويبدو أن العدوان على غزة أنهى كثيرا من الدعوات التي صورت أن بوصلة القيم والأخلاق الصحيحة الوحيدة، يجب أن تتجه باتجاه الغرب.

وكانت تلك الدعوات تغذى بالسرديات الأيدلوجية للصراعات في المنطقة وبمقارنة التفوق التكنولوجي والعلمي الذي وصله الغرب بواقع الشرق المأزوم، ليظهر السؤال الفخ ما الفائدة في أن يصل الإنسان للقمر، لكنه يقتل الأطفال على الأرض.

 يقول الإعلامي والباحث أحمد الهواس، "لا أعتقد أن هذه الجرائم تمثل آخر مسمار في نعش القيم الغربية خصوصا أنها ليست جديدة ومستمرة وربما سيكون القادم أكثر بشاعة".

ومضى بالقول، "نعيش في النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية تتحكم فيه قوة واحدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لا يوجد تغيير في بنية النظام العالمي حتى تتغير منظومة القيم التي يضعها الغرب عناوين له".

وختم، "حقيقة الغرب مكشوفة منذ أن قسم العالم العربي والإسلامي وزرع الكيان الصهيوني في المنطقة وساند الطغاة واحتل العراق وأفغانستان وموقفه من الجرائم في سوريا، كل هذا لم يسقط ورقة التوت عن الغرب الذي يصر على ترويج شعاراته".
التعليقات (0)