مقالات مختارة

تهافت منطق الاحتلال والعدوان

جيمس زغبي
1300x600
1300x600
كتب جيمس زغبي: عن جولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية الأسبق، قولها في عام 1969: «ربما نستطيع في الوقت المناسب أن نسامح العرب على مقتل أبنائنا، ولكن سيكون من الصعب أن نسامحهم على إجبارنا على قتل أبنائهم». وكذلك قال نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي في عام 2014: «إنهم ليسوا مثلنا، فنحن نقدس الحياة، وهم يقدسون الموت». ونقل عن «يوشوا عوز»، من معهد إسرائيل للديمقراطية خلال العام الجاري، قوله: «عزاؤنا.. أنه يحق لنا أن نفخر بالمجتمع والثقافة والحكومة الأخلاقية التي أسّسناها».

وليست ثمة وقاحة أشد من التصرفات الوحشية التي يرتكبها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين سوى جهودهم المستمرة لإضفاء مزاعم «الأخلاقية» على أفعالهم القبيحة. وبالطبع لا جديد في ذلك. وعلى مرّ التاريخ، كانت الدول الأكثر قوة دائماً ما تسعى إلى وسم نفسها بالنبل وتصف غزواتها بأنها تخدم أغراضاً سامية. وبينما كانت القوى الكبرى في أوروبا تُنزل الدمار بالدول الضعيفة من جيرانها أو بالآسيويين والأفارقة والأميركيين اللاتينيين، كانت تلبس بربريتها الوحشية قناع الضرورة الحضارية. ولكن عشرات الملايين من القتلى الإيرلنديين والبولنديين والجزائريين والأفارقة والجنوب آسيويين والفيتناميين وآخرين لا تحصى أعدادهم يقدمون أبلغ دليل على نقيض تلك الذريعة.

وكأميركيين ورثنا هذه العباءة وأحسنا ارتداءها، وقد احتفينا بأمور لا يمكن وصفها سوى بأنها حملات إبادة جماعية ضد شعوب قارتنا، على أنها انتصارات ضد الوحشية. ووصفنا إقدامنا الغربي الوحشي بأنه تقدم وتحقيق لمصيرنا الذي قدره الخالق لنا، فأودى استخدامنا المتعمد وغير المبرر للأسلحة النووية ورفضنا إخبار اليابانيين بتأثيرات الإشعاع بحياة مئات آلاف الأبرياء. وعلى رغم كل ذلك، اعتبرنا أن القصف كان «إنقاذ حياة»، ورحبنا بالدور الذي لعبه في إنهاء الحرب. ويمكن قول ذلك أيضاً عن استخدامنا قنابل «النابالم» و«القصف البساطي» في فيتنام، وحديثاً فرض العقوبات طوال عشرة أعوام ضد العراق، وما تبعه من اجتياح واحتلال. وزعمنا أن ذلك من أجل «جلب الحرية».. ولكن أين تلك الحرية المزعومة لملايين القتلى والمعاقين والمعذبين والمشردين من العراقيين!

وإسرائيل ليست بمنأى عن هذه اللعبة! فمنذ البداية، اعتبر مؤسسوها أنفسهم حاملي ألوية الحضارة الغربية، ووصف «ثيودور هيرتزل» طموحه في بناء «الدولة اليهودية» بأنه لإنشاء مستعمرة تكون متراساً لأوروبا ضد آسيا.. ومعقلاً للحضارة في مواجهة البربرية! وتصور رفيقه «ماكس نورداو» المؤسسة الصهيونية على أنها «امتداد للحدود الأخلاقية لأوروبا حتى نهر الفرات». وأما «زئيف جابوتنسكي» فكتب يقول: «سنكون دائماً في صف الغرب، لأنه يقدم حضارة أسمى من الشرق، وها نحن اليوم أبرز حاملي لواء هذه الثقافة وأكثرهم إخلاصاً».

واعتبر المستوطنون الأوائل من الأوروبيين الصهاينة في فلسطين أنفسهم مستعمرين جلبوا التقدم والحضارة إلى أرض مقفرة يقطنها متخلفون، إلى درجة أنهم نعتوا العرب أصحاب الأرض بأنهم «هنود حمر»، ومجرد عقبات وليست لهم حقوق، ولابد من التخلص منهم بغية تمهيد الطريق أمام مؤسسة أشد نبلاً! ويصور فيلم «الخروج» الإسرائيليين على أنهم شعب أخلاقي يسعى إلى الحرية والمستقبل، واضطر على غير إرادته إلى مواجهة «شعب بربري» لا يرغب سوى في قتله.

وقد تأصلت هذه الأسطورة القوية في الثقافة الإسرائيلية بشكل سريع، على رغم حملات «التطهير العرقي» في عام 1948، والمجازر الموثقة، ومحاولات طمس ومحو القرى والتاريخ الفلسطيني، واحتلال الأراضي وما صاحبه من قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين، والتهجير القسري للآلاف، واستخدام التعذيب والاعتقال لفترات طويلة من دون محاكمات أو اتهامات والإذلال اليومي والإهانة للأسرى.. وعلى رغم ذلك كله، لا يزال كثير من الإسرائيليين يرون أنفسهم دولة أخلاقية في الشرق الأوسط!

ولعل التناقض الشديد بين ما يعتبرون أنفسهم وواقع ما يفعلون، قد دفع القيادة الإسرائيلية إلى تبني نموذج إنكار غريب، فهم لا يستطيعون الاعتراف بأنهم يفعلون الشر، ومن ثم فهم ينكرونه أو يقدمون أنفسهم كضحايا لازدواجية أعدائهم. فعندما يقتل أطفال أو رجال يشاهدون مباراة كأس العالم بسبب سقوط قنابل «غير ذكية» على قطاع غزة، عندئذ يلقون اللوم على «حماس» لأنه لابد أنها قد أمرتهم بأن يكونوا هناك! وعندما يلتقط المراسلون صوراً للمنازل المدمرة وأطلال الحياة، يصر مروجو الدعاية في إسرائيل على أن هذه الصور تم التلاعب بها أو تزويرها.

وبالنظر إلى هذا الاتجاه الذهني، لن تقر إسرائيل أبداً بارتكاب خطأ. وما يقولونه وما يصرون عليه أننا يجب أن نصدق أيضاً أن «إسرائيل لا تقتل الأبرياء»، وإذا ما ماتوا، فإما أنه كان ذنبهم أو أنه خطأ اقترفه طرف آخر. وإذا واصلت الإصرار على أن هذه مسؤوليتنا، عندئذ لابد أنك واقع تحت تأثير أعدائنا.

وبالطبع، لدعاية الأقوياء وأوهامهم حدود، فربما أنهم لا يزالون يسيطرون على طريقة عرض أخبار غزة في وسائل الإعلام الأميركية التقليدية، ولكن بالنسبة لكثير من وسائل الإعلام العالمية والمدونين المستقلين في الولايات المتحدة، تبدو الحقيقة جلية. ويمكن مشاهدة ذلك أيضاً في شهادة جماعات وصحفيين داخل إسرائيل نفسها لطالما كانوا منتقدين بقوة لسلوك حكومتهم غير الأخلاقي. وبينما أكتب مقالي، يستمر الرعب والذعر في غزة. وهذا هو خامس هجوم خطير وكبير في تسعة أعوام. ولا يزال من غير الواضح متى وكيف سينتهي العدوان، ولكن ما نعرفه على وجه التأكيد أنه لا خير يُرجى من هذا الجنون؛ ولن يكون هناك منتصرون؛ وسيدفع الفلسطينيون أبهظ الأثمان؛ وعندما تهدأ المعركة وتجف الدموع، سيشعر الإسرائيليون والفلسطينيون بمرارة أشد وبأنهم أقل أمناً، وسينتظر كلا الطرفين الجولة التالية. وعلى رغم ذلك يواصل نتنياهو وزمرته زعم أنهم دولة أخلاقية، وفي الوقت نفسه يتنمّرون لإخضاع أي شخص يجرؤ على معارضتهم.

(الاتحاد الإماراتية)
التعليقات (0)