مقالات مختارة

من مصر إلى السعودية، تخلى العالم العربي عن الفلسطينيين

مهدي حسن
1300x600
1300x600
دعك من التصريحات الفاترة لكل من باراك أوباما ودافيد كاميرون، فمتى يجرؤ الحكام العرب على الجهر بتنديداتهم للعدوان الإسرائيلي على غزة؟ استمع لما يقوله آرون دافيد ميللر، الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي كان مستشاراً للرئيس كلينتون ومن بعده للرئيس بوش حول الشرق الأوسط، إذ قال لصحيفة نيويورك تايمز يوم 30 يوليو: “لم أر وضعاً كهذا من قبل حيث تذعن الدول العربية للموت والدمار الذي ينهمر على غزة وللضربات التي توجه لحركة حماس”. ويضيف الدبلوماسي الأمريكي السابق: “صمتهم يصم الآذان”.

إلا أن صمتهم ليس أسوأ ما في الأمر، وإنما تواطؤهم هو المصيبة. فخذ على سبيل المثال ذلك العقاب الجماعي الذي يتعرض له 8ر1 مليون إنسان في قطاع غزة والذي يشار إليه عادة بلفظ “الحصار”. لربما تبجح المسؤولون الإسرائيليون أمام زملائهم في الإدارة الأمريكية بأنهم يسعون إلى “إبقاء اقتصاد غزة على حافة الانهيار دون أن يدفعوا به إلى الهاوية”، ولكنهم ما كانوا ليتمكنوا من فرض حصارهم على قطاع غزة دون مساعدة.

علينا أن نتذكر بأن إسرائيل تسيطر فقط على ثلاث جهات من محيط قطاع غزة. من الذي يسيطر على الجهة الرابعة إذن؟ إنها مصر، ذلك الكيان الذي يفاخر بأنه “قلب العالم العربي”. لم تزل جمهورية مصر العربية - من المارشال حسني مبارك إلى الجنرال عبد الفتاح السيسي - تشارك إسرائيل بكل حماسة فيما تبذله من جهود وتتخذه من إجراءات المقصود منها خنق غزة. لربما كان الرئيس السابق عضو الإخوان المسلمين محمد مرسي راغباً في تخفيف الحصار ما بين عامي 2012 و 2013، إلا أن السيسي، الذي “انتخب” في شهر مايو من هذا العام بعد أن قام بانقلاب عسكري، عدو لدود لجماعة الإخوان المسلمين ولشقيقتها حركة حماس.

قامت السلطات العسكرية الحاكمة في مصر خلال الشهور الأخيرة بإعادة إغلاق الحدود بين مصر وقطاع غزة بعد أن دمرت معظم الأنفاق التي كانت بالنسبة لسكان القطاع الشريان الذي أمدهم بسبل الحياة، وسمحت مؤخراً فقط بعبور 140 جريحاً فلسطينياً إلى مصر عبر رفح، المعبر الوحيد إلى الخارج الذي لا يسيطر عليه الإسرائيليون. ولذلك، يعتبر الحصار المفروض على غزة جريمة مشتركة يرتكبها في حق الشعب الفلسطيني الإسرائيليون والمصريون على حد سواء.

ولك أن تتأمل أيضاً في موقف المملكة العربية السعودية الذي لخصه الكاتب البريطاني دافيد هيرست في صحيفة الهافينغتون بوست في العشرين من يوليو الذي زعم بأن “مسؤولين من الموساد الإسرائيلي وجهاز المخابرات السعودي يجتمعون بشكل منتظم … وأنهم ينسقون باستمرار الموقف من إيران”.

في الأول من أغسطس أصدر الملك عبد الله، ملك المملكة العربية السعودية، تصريحاً ندد فيه بالقتل الجاري في غزة معتبراً إياه “مجزرة جماعية” ولكنه آثر السلامة كما أشارت وكالة الأسوشيتد بريس حيث “لم يندد بإسرائيل بشكل مباشر” و “لم يطالب باتخاذ إجراء محدد ضد إسرائيل”. في تلك الأثناء ادعى مفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ بأن المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين “مجرد أعمال غوغائية لن تساعد الفلسطينيين في شيء”.

ثم هناك سوريا. لربما أشاد جورج غالاوي، النائب في البرلماني البريطاني عن حزب ريسبيكت، بطاغية سوريا بشار الأسد ذات مرة معتبراً إياه “الحاكم العربي الأخير” بسبب ما ينسب إليه من استعداد لتحدي إسرائيل، إلا أن قوات الأمن الهمجية التابعة لبشار الأسد تقصف وتحاصر مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في ضواحي دمشق. وبحسب ما صدر عن منظمة العفو الدولية “ترتكب القوات السورية جرائم حرب من خلال اللجوء إلى تجويع المدنيين سلاحاً” وتفرض على اللاجئين “اللجوء إلى أكل لحوم القطط والكلاب”.

أما باقي الدول العربية فليست أفضل حالاً. وخذ لبنان على سبيل المثال حيث يعيش ما يقرب من 400 ألف لاجئ فلسطيني في مخيمات للاجئين ظروف المعيشة فيها لا يمكن أن توصف بأقل من أنها مروعة، وبينما هم على هذا الحال يمنعهم القانون في لبنان من العمل في القطاع العام أو من الاستفادة من مؤسسات الصحة والتعليم ويحظر عليهم شراء العقارات.

وفي الأردن، يزدري الأردنيون ممن ينسبون إلى الضفة الشرقية الأغلبية الفلسطينية التي تنحدر من الضفة الغربية، بما في ذلك الملكة رانيا نفسها. وفي الكويت، جرى عام 1991، أي بعد حرب الخليج الأولى، طرد ما يقرب من 200 ألف فلسطيني عقاباً لهم على موقف ياسر عرفات الداعم لصدام حسين في ذلك الوقت، وتشير بعض التقارير إلى أن ما يقرب من أربعة آلاف فلسطيني لقوا نحبهم في هجمات انتقامية ارتكبها مسلحون كويتيون ضدهم.

هذا الغدر العربي بالقضية الفلسطينية له جذور عميقة. ففي كتابه الصادر عام 1988 بعنوان “تواطؤ عبر نهر الأردن” يصف المؤرخ الإسرائيلي البريطاني آفي شليم كيف كان يعمل الملك عبد الله، ملك ما كان يعرف في حينه بإمارة شرق الأردن، من وراء الكواليس للحيلولة دون أن يتمكن الفلسطينيون من إقامة دولة خاصة بهم عام 1948.

أخبرني شليم، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، بأنه رغم أن “فلسطين ظلت هي القضية الأولى على جدول أعمال جامعة الدول العربية منذ ولادتها عام 1945، إلا أن الالتزام الأيديولوجي بالقضية الفلسطينية لم يحصل بتاتاً أن ترجم إلى دعم فعلي. ولذلك على المرء أن يميز بين المستوى الخطابي والمستوى العملي في سياسة العرب الخارجية”.

واليوم، يرى معظم الزعماء غير المنتخبين في العالم العربي، من جنرالات شمال أفريقيا إلى ملوك النفط في الخليج، أن الإخوان المسلمين ومن ينتسب إلى تيارهم مثل حماس أكبر خطراً على أنظمة حكمهم من قوات الدفاع الإسرائيلية. فقط قطر وحدهاهي التي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الإخوان المسلمين في مصر ومع حماس في غزة. أما باقي المستبدين والطغاة في المنطقة فيسرهم أن يوجه الإسرائيليون ضربة قاضية للإسلاميين السنة في غزة، كما يسرهم أن توجه ضربة مشابهة للإسلاميين الشيعة في إيران.

لنكن صريحين، الحقيقة المزعجة هي أن العقاب الجماعي الذي يمارس ضد الشعب الفلسطيني في غزة إنما هو جهد جماعي تقوده إسرائيل وتعززه مصر وتقره المملكة العربية السعودية.

كم أشفق على الفلسطينيين المساكين. أرضهم محتلة من قبل الدولة اليهودية وقضيتهم مضيعة من قبل العالم العربي.

*مهدي حسين هو المدير السياسي لصحيفة ذي هافينغتون بوست – فرع المملكة المتحدة، وله عمود في صحيفة ذي نيو ستيسمان البريطانية حيث نشرت هذه المقالة أولاً.

(ترجمة خاصة لـ "عربي21" عن هافينغتون بوست)
التعليقات (0)