كتاب عربي 21

فلنتقرب الى الله بالكفر

مصطفى النجار
1300x600
1300x600
يخرجون على الناس يحدثونهم عن التمسك بالدين وهم أقوى سبب لنفور الناس عنه، تختلف أديانهم وعمائمهم ولكنهم في تأييد الاستبداد يتوحدون وحول الأصنام يطوفون وباسم الآلهة البشرية يهتفون، منهم من يتلقى الأوامر فيخرج ليحل الحرام ويحرم الحلال كما يأمره السلطان. ومنهم من يعشق العبودية الاختيارية فتراه يجتهد من تلقاء نفسه في لعق الأقدام والتقرب إليها بنفاق لا إرادي يستخدم فيه نصوص الدين ويطوعها كما يشاء، إرضاء للسادة الذين يسعدون ببركة نفاقه ومتعة تزلفه.

أسوأ المواقف السياسية والتصريحات خلال الفترة الماضية لم تكن لسياسيين بل لرجال دين تصدروا منابر السياسة وأباحوا لأنفسهم خلط الدين بالسياسة وهم الذين كانوا يصولون ويجولون قبل ذلك ويهتفون (لا لإقحام الدين بالسياسة، ونزهوا الدين عن دنس السياسة)، فإذا بهم يجعلون الدين أداة في يد السلطة تستخدمها لتبرير ما تفعله من آثام وشرور، وقبل أن تتلوث أيادي القاتلين بالدم تلوثت عمائم هؤلاء وألسنتهم بفتاوى التحريض واستحلال دماء المخالفين والثناء على من يسفك الدماء. 

لا يتورع هؤلاء عن تزييف التاريخ القريب الذي رأيناه وعايشناه بأنفسنا خلال السنوات الأربع الماضية، يبلغون في كذبهم وإفكهم ما بعد الخيال فيخرجون بروايات جديدة للتاريخ تأتي على هوى السلطة ولا يعرف هؤلاء المتفحشون بالكذب أن جرمهم هذا لا يتوقف عن حدود الكذب والزور، بل إنه يساعد في تضييع حقوق الشهداء وطي صفحتهم إلى الأبد. 

ثنائية رجل الدين والسلطة قديمة تمتد جذورها في أعماق التاريخ الذي شهد دورا بارزا للكهنة ورجال الدين في تأسيس الديكتاتوريات وترسيخ أقدامها، فالاستبداد يحتاج دوما لرجال دين يصبغون على أفعاله قدسية الأوامر الإلهية ليتقبلها الناس. يقول المفكر المغربي (وديع أزمانو): إن ثنائية رجل الدين والسلطة هي الثنائية الأقدم منذ نشوء الحضارة الإنسانية لدى المجتمعات الزراعية النهرية وتشكل الديانة التوحيدية على أنقاض التعدد والاختلاف، بدءا من تلك اللحظة صار الكاهن خادما للسيف منذ المعبد الأول على حد توصيف شاعر العربية الأبرز محمود درويش. هذا الزواج المقدس بين رجل السلطة و رجل الدين كانت تحكمه دائما المصلحة المشتركة، فمن جهة يضفي الحاكم مشروعية سلطته واستبداده بالاستناد إلى سلطة دينية متعالية وقسرية يزكيها رجل الدين ويثبتها باعتبارها مشيئة إلهية مطلقة، ومن جهة ثانية يضمن لرجل الدين ممارسة وصايته على الرعية..

ويقول الكواكبي: (ما من سياسي مستبد إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها اللّه أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع‏ اللّه، ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم اللّه) ويسميهم  الكواكبي «فقهاء الاستبداد». ويقول: (من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام وترفعهم عن المسؤولية، فأوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، والصبر عليهم إذا ظلموا، وعدوا كل معارضة لهم بغيا وفسادا يبيح دماء المعارضين؟).

إن النضال من أجل الحرية والوصول للديموقراطية يقف في طريقه (فقهاء الاستبداد) الذين تختلف أديانهم ومذاهبهم، ولكنهم على قلب رجل واحد في تغييب الناس وتبرير الظلم ودعم القمع، وكل سلطة ظالمة تحتاج لهذا الظهير الديني الذي يقدمها للجماهير في ثوب الطهر والنقاء والقرب من الله بما تفعله رغم تنافيه مع تعاليم أي دين.

المحاربون من أجل الديموقراطية يجب أن يدركوا خطورة هذه الفئة وتأثيرها على الجماهير التي تتعاطى الدين وما زالت تحمل مسحة احترام وتصديق لهؤلاء الأفاقين الذين يشوشون الوعي ويقلبون الحقائق ويؤصلون للبغي والعدوان، ولذلك فمواجهة ما يقولونه ودحض منطقه وتفنيد محتواه وكشف زيفه وتعرية مرجعيته واجب لا بد من القيام به، لأن الاستبداد إذا عجز عن إقناع الناس بأفعاله جعلها دينا ومناسكا يؤذن بها هؤلاء ويبشرون بها!

حين رفعت الثورة الفرنسية في الماضي شعار (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر رجل دين) كانت تعني بالتأكيد هؤلاء الذين باعوا ضمائرهم وأسبغوا الشرعية على الظلم واستعباد الناس، وهذا ليس بالبعيد في ظل حالة الكفر المتصاعد التي تجتاح مصر والعالم العربي تجاه هذه العمامات المدنسة بتأييد القهر وتجميل قبحه. 

تقربوا إلى الله بالكفر بكل رجل دين باع دينه من أجل السلطان، وليعلم هؤلاء أن الخزي والعار سيلاحقهم أحياء وأمواتا، وغدا يغمرهم طوفان الحرية ..
التعليقات (4)
هاني سلامة
الخميس، 08-01-2015 04:05 ص
خاض كثير من رجال الفكر الاسلامي الحديث حربا ضد هذا التدين المغشوش ومن طريف ما قرات في هذا الصدد ما كتبه الشيخ المغربي في كتابه عن جمال الدين الافغاني حيث يقول\ استدعي الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد السيد جمال الدين ليشير عليه بالراي في الرسالة التي بعث بها الامبراطور الياباني اليه حيث يطلب مجموعه من العلماء المسلمين للتعريف بالدين ا سلامي فقال له جمال الدين لاتفعل فساله السلطان لماذا فقال لان هولاء العلماء كرهوا المسلمين في الاسلام فحري بهم ان يكرهوا غيره فيه\
منصور المالكي
الإثنين، 05-01-2015 09:08 م
تحريض على الكفر والفسوق
أشرف خميس محمد
الإثنين، 05-01-2015 07:41 م
الأبتزاز بأسم الديمقراطية كالأبتزاز بأسم الدين
على حمد
الإثنين، 05-01-2015 02:33 م
مقال رااااائع ..... . وبعد كده يطلعوا يسألوا هو الشباب ليه بقى ما بين ملحد او داعشى ؟! .....هنكفر بيهم ومش هنكفر بالدين ولا هنكفر بمبادىء الديموقراطيه والتعايش رغم الاختلاف شكرا دكتور مصطفى على المقال