مقالات مختارة

العرب وأسطورة القوة الأميركية!

جيمس زغبي
1300x600
1300x600
كتب جيمس زغبي: أعتقد أن بعض الأساطير التي تدفع الخطاب العربي بشأن السلوك الأميركي في الشرق الأوسط قد تستهوي الأنفس لما تروجه بشأن علاقة واشنطن مع المنطقة. وعلى رغم أن تلك الأساطير خاطئة بشكل سافر، إلا أنها مستمرة التفشي بصورة مخيبة للآمال. وها أنا أكتب وأنا على متن طائرة عائداً من الشرق الأوسط حيث قضيت بضعة أيام أستمع وكلي آذان صاغية لما يتصوره كثيرون بشأن ما تفعله وما لا تفعله الولايات المتحدة في المنطقة.. وماهية الأسباب وراء كلا الأمرين.

ويدرك كثير من العرب أن أجزاء مهمة من عالمهم تبدو في مسار الخروج عن السيطرة بشكل خطير، وأن إسرائيل المتعنتة وإيران العدوانية تزيدان قوة وهيمنة. ولكن ما لا يفهمونه، في خضم تلك التهديدات والتحديات، هو السبب وراء غياب الدور الأميركي أو ضعف تأثيره. ويعزى ذلك، على وجه الدقة، إلى أن كثيراً من العرب يتشبثون تشبثاً شديداً بأساطير الحكمة والقوة الأميركية، ومن ثم فهم لا ينفكّون يعتقدون أن التفسخ والتهديدات الراهنة أمر متعمّد.

ولعل استمرار مثل هذه المفاهيم ينبثق عن مشاعر ضعف تقترن بقبول أسس الرواية الأميركية.. فنحن الأميركيين نصف أنفسنا عادة بأننا «حالة استثنائية» و«دولة لا يمكن الاستغناء عنها». ونتفاخر دوماً بخروجنا منتصرين من حربين عالميتين، والتغلب على الاتحاد السوفييتي السابق لنبقى القوة العظمى الوحيدة. ونتفاخر بحق بأننا أول من أرسل الإنسان إلى القمر، وكل تلك التطورات التي حققناها في مجالات الطب والتكنولوجيا التي استفادت منها البشرية بأسرها.

وفي ضوء قبول بعض العرب تصورنا لهذه الصورة «الأكبر من الحقيقة»، يتساءلون: إذا كان بمقدور الولايات المتحدة فعل ذلك كله، فلماذا تسمح بأن تكون لإيران اليد الطولى في العراق؟ ولماذا أجازت استمرار سفك الدماء في سوريا طوال هذه المدة؟ وكيف باركت الإطاحة بالديكتاتور الليبي ثم تركت الدولة هناك للحرب الأهلية؟ ولماذا تواصل السماح لإسرائيل ليس فقط بإحكام قبضتها على الفلسطينيين المحاصرين، ولكن أيضاً فعل مثل ذلك في واشنطن؟

ويضيف هذا كله كثيراً من الالتباس إلى المشهد المرتبك والمثير للقلق أصلاً. وفيما يبدو محاولة للخروج من هذا الارتباك، اختار كثير من العرب تجاوز الأمر، ولكن استناداً إلى اعتقادهم وليس إلى المنطق. ولذا استنتجوا أنه إذا تفككت المنطقة، فإن المستفيدين هم المارقون، بينما تغض أميركا -القوية والمطلعة على الأمور- الطرف، ومن ثم فإن صناع السياسات الأميركية إما أنهم وراء ما يحدث، أو أنهم سعداء به لأنهم يخدم مصالحهم.

وقد سمعت تعليقات بعض العرب الذين زعموا أن الحرب الأميركية على العراق، بغض النظر عن فشلها، قد حققت هدفها الاستراتيجي. وطبقاً لهذه الرؤية، فإن الغرض من تلك الحرب كان التخلص من صدام حسين -وليس إرساء دعائم دولة ديمقراطية تقدمية- إضافة إلى تحرير الجني الإيراني من قمقمه. ولعل ذلك هو ما حدث حقيقة. ولكنني لا أعتقد للحظة واحدة أن أي شخص في إدارة بوش كان ذكياً بالقدر الكافي ليفكر وينفذ ذلك السيناريو شديد التعقيد. ولكن لأن هذه التفسيرات الخيالية تبدو منطقية في ظل الفوضى، فإنها تجد من يصدقها ويلقي لها سمعه.

ورداً على ذلك، أحاول تحرير أصدقائي من الأساطير وأطالبهم بإدراك الحقيقة المحزنة بأن بلادي -التي أحبها حباً جمّاً- ليست دائماً ذكية وقوية. ويؤكد هذه الحقيقة المحزنة تفسير السلوك المتهور لإدارة بوش. ودعونا نتذكر ما زعمه مخططو حرب بوش بأن العراق سيكون «لقمة سائغة»، وسننتصر في غضون ثلاثة أسابيع، وأننا لن نحتاج إبقاء قوات هناك لأكثر من ستة أشهر، وبتكلفة لا تزيد على ملياري دولار، وأننا سنلقى ترحيب الفاتحين، وأن الديمقراطية التي ستولد ستكون شعلة مضيئة في المنطقة، وأن القيادة العالمية الأميركية ستترسخ طوال القرن الحادي والعشرين.

وبدلاً من ذلك، حدث العكس تماماً وهو ما أسفر عن أضرار غير محسوبة ليس فقط على العراق والمنطقة فحسب، ولكن على الولايات المتحدة أيضاً. وقد أظهرت الحرب حدود القوة الأميركية، بينما بلغت تكلفتها تريليونات الدولارات، واستنفدت قوتنا العسكرية ودمرت حياة آلاف الشباب والشابات من الأميركيين ومئات الآلاف من العراقيين. وبدلاً من إرساء دعائم الديمقراطية الموعودة، أشعلت فتيل حرب أهلية مدمرة، وسمحت لإيران الطائفية بأن تكون قوة مسيطرة في المنطقة، بينما أفضت إلى ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي في الوقت ذاته. وفي نهاية المطاف، زجت الحرب بالمنطقة في أتون الاضطرابات، وأضعفت الولايات المتحدة وجعلتها أقل احتراماً وهيبة في أرجاء العالم.

وفي هذا السياق، من الضروري أن يدرك قادة العرب أن عليهم الإمساك بزمام المبادرة وبناء قوة عسكرية تجهز على تنظيم «داعش». كما أن عليهم الاستثمار في إعادة بناء اقتصادات المنطقة، واستخدام نفوذهم السياسي في حل الصراعات. وهذا التحول من الاعتماد على الغير إلى الاعتماد على النفس أمر ضروري للعرب. وحينما يتولى القادة العرب زمام هذه المبادرات، يحق لهم الإصرار على أن ينالوا دعم الولايات المتحدة، كدولة حليفة، وليس كمنقذة تمسك وحدها بكافة أوراق القوة.

(عن الاتحاد الإماراتية- الأحد 15 آذار/ مارس 2015)
التعليقات (1)
إبراهيم الدسوقي
الأحد، 15-03-2015 09:15 م
ياجيمس يا بو الزغب ياحبيبي ، قد تستطيع فهم عقلية ( العم سام ) بحكم نشأتك في العالم الجديد ، و تشبعك بثقافة ( اليانكي ) ، و خبرتك السياسية الطويلة في منظومة الحزب الديمقراطي ـ إن لم تخني الذاكرة الخؤون ـ أو الجمهوري ، فالأمر هنا لا يهم بقدر ما يهم انتماؤك العرقي لهذا العالم العربي " الصايع " و الضائع ،الذي يتعذر عليك فهم حاضره و التنبؤ بمستقبله،بحكم انفصالك عنه ـ زمانا و مكانا ـ،هذا العالم المتخلف،الذي يكاد يكون خارج التاريخ و الزمن.فهؤلاء الذين يسيرون شؤونه ـ اليوم ـ أعجز من أن يوفروا لقمة عيش كريمة و " كوباية ميه " غير ملوثة لمواطنيهم بل رعاياهم بالمفهوم القديم للرعية في عصر الإنحطاط ـ لكي لا نتحدث عن المسكن اللائق و منصب العمل المغري و المجزي و المنظومة الصحية المتطورة و الإنسانية و التربية الرائعة و التعليم الحديث إلخ ... فتلك أحلام بل أوهام دونها عشرات بل مئات الأعوام و الكثير الكثير من الأوجاع و الآلام . لقد قال ثعلبكم العجوز ـ الماكر ـ ه . كيسينغر ذات يوم : إن العرب أقوياء في التكتيك فاشلون في الإستراتيجيا .و لعمري إنها مقولة حق لاندري ما أريد بها ؟؟،و لكن حاضر العرب التعيس يكشف جملة من الحقائق التي يمكن إيجازها في كلمات قليلة : فالشعوب العربية تعامل معاملة القطيع ، و حكامها لا يفقهون من شؤون الحكم الراشد لا القليل و لا الكثير، فلا يهمهم شيء سوى القهر و القمع و التسلط و النهب و الفساد ، و المكر و الخداع و التآمر على بعضهم بعضا، و موالاة الأعداء و الأغراب .ثم إن آخر شيء ـ إن لم نقل أندر شيء في عالم الأعراب اليوم ـ هو الإحتكام إلى القاعدة المعروفة في مجال السياسة الحكيمة : الرجل المناسب في المكان المناسب.