كتاب عربي 21

الدين الخارجي لتونس.. المشكل وليس الحل!

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600
أعلن ممثلو الحكومة التونسية في اجتماعات جرت في واشنطن الأسبوع الماضي خبرا مرا للأسف على الهامش. أعلنوا، بابتهاج كما علي أن أضيف، أن تونس تلقت وعدا من البنك الدولي  للحصول على قرض بـ"أربع مليار دولار" على أربع سنوات. 

إشكالية هذا المقال لن تكون ما إذا كان الدين العام الخارجي من ناحية نظرية وتجريدية إيجابيا أو سلبيا في المطلق، إذ إنه لا توجد دولة ليس لها دين خارجي. إشكالية هذا المقال ستكون تحديدا ما هو أسوأ في السياق التونسي الراهن: الاستمرار في الدين العام الخارجي على أساس أنه سم ضروري أم ضرورة مصارحة التونسيين، والامتناع بشكل مؤقت عن مزيد من الدين الخارجي والبحث عن بدائل تمويل داخلية، وإلا فنحن ذاهبون إلى أزمة غير مسبوقة؟ وبمعنى آخر، ما يجب أن نحدده بوضوح هو التالي: إذا كنا سنذهب إلى أزمة، هل الدين العام الخارجي سيخففها أم سيعمقها؟ 

نسبة الدين الخارجي الراهن أكثر من خمسين في المئة من الناتج الداخلي الوطني. البعض لا يزال يعتبر أن ذلك أمر مقبول. فهل يسمح وضع الاقتصاد التونسي بنسبة من هذا النوع مثلما هو وضع الاقتصاديات الأقوى في العالم؟ لا يوجد الكثير من المقالات العلمية المعمقة حول موضوع الدين العام الخارجي لتونس. سأعتمد بشكل شبه كلي في تحليل هذا الموضوع على المعطيات والمقاربة التي قدمها الجامعي في الاقتصاد محمد ميمون في مقال صدر سنة 2013 في مجلة (African Development Review) ويعتمد فيها قاعدة معلومات تمتد على مدى فترة طويلة، ترجع إلى بداية السبعينيات، عندما أصبح الالتجاء إلى الدين العام الخارجي سياسة منتظمة للدولة التونسية. 

يعالج ميمون الموضوع من خلال أربعة محاور أساسية. أولا: ماهية العلاقة بين الدين العام الخارجي والتنمية بشكل عام. ثانيا: وصف لتاريخ العلاقة بين الدين الخارجي والتنمية في الحالة التونسية. ثالثا: خلاصات تاريخ هذه العلاقة والخروج بنموذج خاص بتونس. رابعا: تأثير عامل الفساد في المعادلة بين التنمية والدين الخارجي. 
  
أولاالعلاقة بين التنمية والدين الخارجي بشكل عام. من البديهيات المعتمدة في هذا الموضوع أن هناك "حدا أقصى للدين" (debt threshold) بين أن يكون الدين الخارجي محفزا للتنمية وأن يصبح معطلا لها. بعض الدراسات التي يعتمد عليها ميمون لتحليل تاريخ التداين لـ55 دولة ذات دخل ضعيف بين سنتي 1970 و1999، تبين أن "الحد الأقصى" ينخفض كلما كنا إزاء دول نامية أو ضعيفة الدخل. في الأخيرة لا يجب أن يتجاوز "الحد الأقصى" نسبة 35% أو 40% على الأكثر من الناتج الداخلي الخام، حتى لا يؤثر سلبا على التنمية. 

ثانياالعلاقة بين الدين الخارجي والتنمية في تونس. المعطيات تؤكد أمرا أساسيا أن الوضع الراهن في التداين المفرط لا يرجع إلى فترة ما بعد الثورة، بل هو وضع شبه مستمر خاصة منذ السنوات الأخيرة لعهد بورقيبة ومجيء بن علي للسلطة. النسبة أخذت مدى قياسيا منذ سنة 1983 وخاصة بعد سنة 1987 عندما تم البدء في "الإصلاح الهيكلي"، وبقيت سياسة الاقتراض منذ تلك السنة حتى سنة 2005 بين 45% و55% من الناتج الداخلي الخام، أي بما يفوق بكثير "الحد الأقصى" في دولة بمستوى تونس. 

ورغم انخفاض نسبة الدين بين سنتي 2005 و2010، فإن نسبة دفع خدمات الدين واصلت ارتفاعها بشكل مطرد. وهنا فإنه مقابل كل 100 دولار يتم اقتراضه يتم عموما إرجاع 195 دولار. النسبة المرتفعة في خدمة الدين تعني أمرا أساسيا، هو أن أحد الأسباب الرئيسية في العقود الثلاثة الأخيرة التي جعلت التداين الخارجي مستمرا هو تحديدا الحاجة لدفع خدمات الدين المتخلدة. 

ثالثا: بمقارنة أرقام النمو في الفترة ذاتها مع أرقام الدين الخارجي بناء على نموذج حسابي خاص بتونس، ينتهي ميمون إلى مجموعة من الخلاصات المهمة. أهمها أن زيادة الدين الخارجي بنسبة 1% تؤدي إلى انخفاض سنوي لنسبة الدخل الفردي على المدى القصير بين 0.15 و0.17%، و0.27% على المدى الطويل. ولأن نسبة النمو تخضع لتاريخ النمو، ولأن الذاكرة تؤثر عليه، فإن تأثير الدين السلبي يصبح مضاعفا. 

رابعا: العلاقة بين الدين الخارجي والفساد. بحلول سنة 2010 كان ترتيب تونس في المؤشر العالمي للفساد (منظمة "الشفافية الدولية") 154 على 178 بمؤشر لا يتجاوز 4.3 من 10، بالحسابات التي قدمها ميمون، فإن مؤشر الفساد يتقلص بنقطة كلما زاد مؤشر النمو بـ 0.27%، وهذه العلاقة الوطيدة بين تناقص الفساد وتزايد التنمية تعني أن هناك تأثيرا غير مباشر للدين الخارجي، ومن ثمة نقص التنمية، على خلق فضاء مساعد؛ خاصة على مستوى الأعمال والمبادرة الاقتصادية، لتزايد الفساد. 

ربما يقول البعض: "وماذا فعلتم أنتم عندما كنتم في الحكم؟ هل أوقفتم الديون؟". في نيسان/ أبريل 2013 عندما تم طرح مشروع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على الحكومة، صوت وزراؤنا ضد المشروع. وقبيل ذهاب وفد تونسي شهر أيار/ مايو للتوقيع على الاتفاق كتبنا مراسلة رسمية للحلفاء نحذر من القيام بذلك بالشروط القائمة. وطلبنا لقاء عاجلا بقيادة الحزب الأغلبي (النهضة حينها) للتحذير من ذلك. وخلال اللقاء بدا لنا أن قيادة النهضة غير منتبهة لجدية الموضوع. وفي نهاية الأمر قام رئيس الحكومة علي العريض بإرسال رسالة رسمية باسم الحكومة لصندوق النقد الدولي، يشترط فيها تنفيذ الحكومة لـ"الإصلاحات" بألا تمس بالمستوى المعيشي والاستقرار الاجتماعي. 

وساهمنا من جهة أخرى في مسار تقييم "منظومة الدعم" خاصة من خلال ندوة نظمناها في إطار الرئاسة من خلال المعهد التونسي للدراسات الاسترتيجية، بالتعاون مع وزارات عدة والمجتمع المدني في آخر نيسان/ أبريل 2013، حتى نقدم مقاربة تونسية بحتة وليست مسقطة من الخارج لعملية إصلاحها. لم يكن ذلك كافيا ويجب أن نتحمل المسؤولية لأننا لم نوقف الدين الخارجي، ولكن كان ذلك الحد الأدنى بالنسبة لنا وفقا لظروف تلك المرحلة وأمام أولوية إنجاح الانتقال الديمقراطي في مستواه السياسي، خاصة أننا كنا في مواجهة إيمان عميق لدى جزء مهم من نخبة السياسة والإدارة والأعمال والاقتصاد، بأن التحصل على قروض أجنبية أشبه بالامتياز الذي يجب أن نشكر عليه الأطراف المانحة. 

أريد أن أختم بنقاش يعرفه القليلون حصل بين الرئيس المرزوقي والرئيس الإكوادوري رافائيل كوريا خلال "قمة الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية" في تشرين الأول/ أكتوبر 2012. طلب الدكتور المرزوقي النصح من الرئيس كوريا في علاقة بموضوع الدين الخارجي، خاصة أن الإكوادور واجهت وضعا صعبا، وقدمت نموذجا في حل موضوع "الديون الخبيثة" سنة 2007 من خلال إعادة التفاوض حول ما قيمته 10 مليارات دولار ديون تمثل 25% من الناتج الداخلي. كوريا كان واضحا: دون أغلبية سياسية صلبة تذهب بلا تردد بمطلب مدعوم شعبيا لإعادة التفاوض، فإنه لا أمل لتونس في فرض هذا المطلب. بيد أن الانتخابات الأخيرة أتت بأغلبية نيابية، إما تتجاهل هذا الموضوع أو ترسخ منطق الاستمرار في التداين. 

لن يمكن إنقاذ الوضع في تونس إلا بدعم الديمقراطية الانتخابية الراهنة بمقاربة "ديمقراطية اجتماعية" تكون أحد أهدافها الرئيسة التركيز على القطاعات الاستراتيجية؛ خاصة الطاقة والطاقة المتجددة، وإعادة التفاوض حول الدين الخارجي. في حين تهيمن الآن على الأحزاب التي تشكل الأغلبية الحكومية مقاربة "ليبرالية تابعة" تركز على البدء في تخصيص الأدوات التمويلية للدولة، وتفكيك منظومة الدعم بشكل اعتباطي، ومن ثم رفع الحماية عن الطبقات الاجتماعية التي قادت الثورة مقابل حماية حاشية رجال الأعمال وتهربها الضريبي، ومن ثم ترسيخ "رأسمالية المحاباة"، أي ترسيخ الأسباب التي أدت إلى الثورة. 
التعليقات (0)