قضايا وآراء

القابلية للاسترهاب

أنس الفيتوري
1300x600
1300x600
تجاوزت قطاعات عديدة من الأمة القابلية للاستعمار بعد صراع مرير مع الاحتلال، وضربت في طريق نضالها الأمثال مستبسلة في مواجهة أعتى القوى الاستدمارية، وتخلصت بعد أجيال من الداء العضال الذي أصاب جموعها مطلع القرن التاسع عشر، لكنها اليوم بعد استحالة احتلالها المباشر أضحت تُستهدف باستراتيجية الاسترهاب – الاحتلال غير المباشر- لإعاقة مسار التغيير الجذري.

من الأهمية بمكان فهم المرحلة الحالية فهما جيدا، وإعادة النظر في الأفكار الحاكمة. كي لاتُقاد الجموع صوب خيارين، بظن أن لا ثالث لهما، الأول : الحل السياسي بالشراكة مع العلمانيين المحاربين بوصفه استحقاقا لا مهرب منه، بالرغم من معارضة جماعات جهادية قوية - لا يمكن استئصالها- لهذا المسلك، والثاني : التسليم المطلق بنجاعة نموذج التوافق السياسي من غير الأخذ في الحسبان توازن القوى؛ الأمر الذي يؤدي إلى تنازلات عن الثوابت في سبيل الهروب من مصير المواجهة المحتوم. 

إن حشد الطاقات الشبابية صوب العمل السياسي المشوه، والتسليـم بنجاعة نموذج التوافق السياسي مع العلمانيين المحاربين، مرده إلى وقوع شرائح مختلفة في فخاخ استراتيجيات الاسترهاب بعد أن دجنتها الأنظمة السابقة بالسجون والمنافي، فما أن لاحت الفرصة الكبرى بالثورات لإحداث التغيير الجذري، حتى ضيقت ثلة من السياسيين على نفسها واسعا بالوهم والخنوع، وضربت بالخيارات المتعددة المنجية من الوقوع في مخططات الاسترهاب عرض الحائط.

تتطلب مخططات الغرب في الهيمنة على المجتمعات العربية والإسلامية، تسويق مصطلحات تحدد المفاهيم لتلك المجتمعات و تصوراتها، على شاكلة الحرب على الإرهاب، أو الاستقرار السياسي، أو الحرب الأهلية، فتعمل الثقافة الغربية التي تواطأ على نشرها إعلام محلي ودولي، وتداولتها منظمات دولية وسفراء غربيين على تشكيل وعي زائف يوقع المجتمعات الإسلامية في خدمة الاستراتيجيات الغربية ومخططاتها.

إذا كانت المجتمعات الإسلامية قد تأثرت بالمفاهيم والتصورات التي مررت عبر المصطلحات الثقافة الغربية، فإن ما تبذله نخبها من جهد لم ينصرف إلى مقاومة هذه الثقافة فكريا، بل استدرجت نخب تلك المجتمعات إلى تداول المصطلحات الغربية في المجالين السياسي والإعلامي من غير أي تمحيص يدفع عنها زيادة رهقها، وبعدها عن مرجعيتها الإسلامية الحاكمة للمفاهيم والتصورات. 

إن تراجع حضور مناهج المجتمعات الإسلامية في مقاومة الاستعمار وثقافته في ظل متغيرات الواقع؛ والبطش الذي مارسته الأنظمة السابقة بالسجون والمنافي على دعاة تلك المناهج، قد مهد الطريق لاستراتيجيات الاسترهاب الغربية لاستغلال المجتمعات فيما يسمى محاربة أفكار الغلو، والتطرف على حساب تحقيق مناط مناهجها الداعية إلى محاربة الاستعمار والتخلص من التبعية للغرب.

لم يقف القَبول بالاسترهاب عند هذا الحد، بل تعداه إلى انحراف في الممارسات الميدانية، فأضحت من أولويات كثير من النخب الإسلامية الاقتراب من العلمانيين الانقلابين المحاربين في إطار سياسي سمى بالموازنات السياسية، متجاهلين أمرين الأول : تقاطع المصالح بين العلمانيين والغرب، والثاني: تمكين العلمانيين المحاربين من حكم المجتمعات الإسلامية، فهدف الاستراتيجيات الغربية تمكينهم من السلطة، أو على أقل تقدير استغلال من استُرهب من غير العلمانيين في قيادة الحكومات الجديدة التي تأتي بعد الثورات المُفرّغة من آليات التغيير.

إن استراتيجيات الاسترهاب لتخويف المجتمعات الإسلامية وحكوماتها تقوم على أربع مرتكزات تسوقها آلة إعلامية دولية ضخمة؛ أولها :التدخل الدولي، ثانيها :ملاحقة الجنائية الدولية، ثالثها :تجميد الأموال أو مصادرتها، ورابعها الحضر من السفر أو الحد من التنقل بحرية.

إذن نحن أمام خيارات صعبة تنتهي بالضرورة إلى البحث في تلك التهديدات بعيدا عن ما يقال في الإعلام الاسترهابي، فمواجهة التحديات المصيرية ضرورة لا مفر منها، إذ لم يشفع للمجتمعات دعمها لمسار التغيير السلمي المدني، فتداعت القوى الغربية مع العلمانيين المحاربين للوقوف في وجه إرادة التغيير، ولم تقف أفعالهم عند حد الانقلاب وتغيير المشهد السياسي، بل أُطلقت أيادٍ باطشة تُنكل بكل من واجه الانقلاب سلميا تحت مسمى ( الحرب على الإرهاب ).

إن ما حدث في بنغازي، و اعتصامات القاهرة، أو الرمادي؛ أوضح بما لا يدع مجالا للشك استمرار الغرب والعلمانيين المحاربين في القضاء على التغيير بحجة الحرب على ما يسمى الإرهاب، ولعل تصريحات السيسي في خطابه الموجه للغرب بعد قصف مدينة درنه الليبية – كشف عن البعد الخفي في العلاقة بين الغرب والعلمانيين المحاربين، وأن الحرب على ما يسمى بالإرهاب تشمل أنواعا أخرى له تطال كل من يسعى إلى التغيير سواء بالوسائل المدنية أو العسكرية.

نحن أمام فرصة سانحة لإحداث التغيير لاسيما بعد الثورات العربية، لكن لابد من التعامل مع الواقع في إطار تحدي التحرر من الغرب، فتفكيك الثورات لجزء كبير من المنظومات القديمة، ومناقشة الأفكار الحاكمة، وإعادة تقديم الأسئلة بشأن المسلمات والفرضيات التي تخدم الغرب واستراتيجياته الجديدة في الاسترهاب، سيعطي المجتمعات أسبقية في التعاطي مع المستجدات ضمن رؤية جديدة ترفض التفتيت والحرب بالوكالة عن الاستعمار.

لا مناص للغرب في التعويل على استراتيجيات الاسترهاب في ظل تراجعه في هذه الفترة عن التدخل العسكري، فالاسترهاب يفتت جهود الأمة في التغيير ويرسخ للأوضاع القائمة، ويستغل المكونات الاجتماعية في عداء الجماعات الجهادية الرافضة للاستعمار، فإذا كانت هناك اختلافات منهجية بين الجماعات الإسلامية، فإن الاسترهاب هو الاستراتيجية الأمثل لتعزيز الاختلافات المنهجية لضرب بعضها ببعض، ويخدم هذا الاختلاف الغرب في تنفيذ مخططاته سواء المصلحية أو الايدلوجية.
0
التعليقات (0)