ملفات وتقارير

درعا تحت الضغط العسكري.. والنظام يسعى لعقد "مصالحات"

سيطرت قوات النظام السوري ومليشياته على بلدة عتمان بعد الشيخ مسكين
سيطرت قوات النظام السوري ومليشياته على بلدة عتمان بعد الشيخ مسكين
تعيش مناطق الثوار في محافظة درعا هذه الأيام حالة حرجة؛ نظرا للتطورات الأخيرة التي تشهدها المحافظة من سقوط مدينتي الشيخ مسكين وعتمان بيد قوات النظام السوري وحزب الله اللبناني تحت غطاء الطيران الروسي، وما رافق ذلك من محاولات تنفيذ بعض "المصالحات" في بلدتي داعل وابطع؛ لرفع علم النظام بدلا من علم الثورة.

هذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها الجيش الحر والثوار في درعا، بعد قرابة ثلاثة أعوام على الانتصارات المتتالية التي شملت قرابة 65 في المئة من مدن وبلدات المحافظة الجنوبية، سبقها فترة من ركود الجبهات وتوقف العمليات العسكرية، بعد فشل معركة عاصفة الجنوب لتحرير قلب مدينة درعا، فضلا عن عشرات عمليات الاغتيال المتكررة التي طالت أهم الشخصيات العسكرية والإدارية المعارضة للنظام السوري في المحافظة، دون معرفة المنفذين في أغلب الحالات.

لماذا؟

وفي هذا السياق، يقول المقدم محمد حربات، قائد المجلس العسكري بدرعا سابقا، إن للتطورات الأخيرة جملة من الأسباب القديمة والآنية، أهمها عدم الاستغلال الصحيح للضباط والعسكريين المنشقين بحسب اختصاصاتهم، والتفوق العسكري الكبير بالعدة والعتاد للنظام ومليشياته بالتزامن مع التغطية الجوية الروسية ذات سياسة الأرض المحروقة.

ويستطرد الحربات في حديث لـ"عربي21": "من الأمور الهامة أيضا استخدام النظام مبدأ فرق تسد، وذلك عن طريق عملائه في المناطق المحررة، بالإضافة إلى التقصير المتعمد من قبل الدول الداعمة في مد الثوار بالسلاح النوعي، ما أدى إلى التشتت وتشرذم الفصائل المسلحة وفقدانها للحاضنة الشعبية".

ويرى المحلل السياسي إسماعيل المقداد أن هناك أزمة سياسية وعسكرية واجتماعية أخذت تتفشى داخل حوران؛ نظرا لحالة التشرذم في القوى العسكرية، وإثارة الحساسيات المناطقية والعشائرية المتصاعدة، وعمليات الاستقطاب الديني والعقائدي، فضلا عن تأثير الدول والحكومات الإقليمية على الواقع السوري، وحوران بشكل خاص، بحسب قوله.

ويقول المقداد لـ"عربي21": "لعل من أهم الأسباب للحالة التي وصلت لها حوران إنشاء تشكيلات عسكرية ذات توجه أيديولوجي ديني بدعم من أحزاب إسلامية خارجية لتنافس وتوازي الجيش الحر، بل ولتفرض نفسها بديلا عنه في المناطق المحررة".

كما تحدث المقداد عن "وجود أطراف أخرى نرجسية، بينها قيادات عسكرية تسعى دوما لتفكيك العمل الجماعي، وإبقاء الوضع على ما هو عليه؛ لتحقيق مكاسب مادية وسلطوية"، كما قال.

ومن جانبه، يعتقد الصحفي محمد العويد أن الانهيار الحاصل اليوم هو نتاج طبيعي لانحدار الواقع والظروف السياسية، التي لا تقل إحباطا عن الجانب العسكري، فهذه النكسات للجيش الحر مبيّته منذ سيطرتهم على لواء الدفاع الجوي 38 قرب بلدة صيدا، "بمعنى أن من حرم المعارضة وقتها من استخدام مضادات الطيران، التي تم الاستيلاء عليها من اللواء للدفاع عن نفسها ومدنها وقراها، كان يدفع بشكل أو بآخر لما نراه اليوم"، على حد وصفه.

نتائج سياسية وعسكرية

ويؤكد المقدم محدر الحربات في هذا الجانب أن الغموض والظلام هما العنوان الأبرز للمرحلة القادمة، "خاصة أن سوريا أصبحت ملعبا يقام عليه أولمبياد عسكري عالمي بنظام التصفيات، فإن لم يتم توحيد الصفوف ورصها بأسرع وقت ممكن، فالعواقب لن تكون في بصالح الثورة"، بحسب تعبيره.

ويوضح الحربات أن ما يجري اليوم من مصالحات مع النظام هو "مهزلة لن يرضى عنها أهالي حوران، حيث استغل نظام الأسد ضعاف النفوس لتمثيل هذه المسرحية؛ بغية زيادة حالة الفرقة والتشرذم، وتشتيت القوى، وإيجاد مناطق كخط دفاع أول عن معسكراته داخل البلدات الموالية له".

ويبيّن الصحفي محمد العويد لـ"عربي21" أن الآثار المحتملة لهذه الانتكاسات ستكون كارثية بالمعنى السياسي والبشري، على الرغم من التحرك الخليجي التركي؛ حيث يلوح بالأفق بوادر نهايات إجبارية للثورة والموافقة على شروط كانت مرفوضة بالأمس، سواء من قبل الثوار أو من قبل النظام.

وعن المصالحات، يضيف العويد: "الظروف الراهنة وحياة المدنيين تحت رحمة الدب الروسي ونيرانه وصواريخه، دون أي رد من القوى الإقليمية المؤيدة للمعارضة، جعلت من المصالحة مع نظام الأسد أمرا مقبولا لدى بعض المدنيين، على الرغم من انحرافها عن قيم الثورة، فلا نستطيع أن نلوم المعتقل إن أفشى ببعض أسراره لمعذبه السجان، فالأصل هو إدانة السجان ووحشيته".

ويلفت المحلل السياسي إسماعيل المقداد أن عقد المصالحات يعود بالأساس إلى حالة الدمار والتدمير الممنهج التي تصنعها آلة الحرب الروسية وهمجية قوات النظام، وربما يترتب آثار سلبية كبيرة على ذلك، كضرب الحاضنة الجماهيرية للثورة، وبالتالي فرض تنازلات سياسية على ممثليها عند الجلوس على طاولة المفاوضات، بحسب وصفه.

وينهي المقداد حديثه بالإشارة إلى أن النظام السوري يسعى من خلال عقد المصالحات مع أهالي حوران "إلى خلق الفتنة واستغلال الجانب الإعلامي في ذلك؛ ليظهر للرأي العام العالمي أنه لا يزال يتمتع بقاعدة وحاضنة شعبية، وأن المواطن السوري يعاني فقط من العصابات المسلحة".

ويذكر أن قوات النظام السوري ومليشياته بدأت حملة عسكرية موسعة منذ قرابة ثلاثة أسابيع تحت عنوان إعادة السيطرة على محافظتي درعا وحلب، أقوى وأكبر معاقل الثوار في سوريا، وتمكن خلالها من السيطرة على بعض المدن والمناطق الاستراتيجية في المحافظتين بعد انسحاب الثوار منها تحت القصف الروسي غير المسبوق.
التعليقات (0)