قضايا وآراء

محنة التفكير (6)

حمزة زوبع
1300x600
1300x600
أنهينا المقال السابق بسؤالين؛ أولهما هو: لماذا تعتبر بوابة الثورة هي الملاذ الأخير للأمة على غير ما قد يعتقده البعض من أن الثورة تعني الفوضى؟ 

أتصور أن محاولات الترقيع أو ما كانت تسميه أمي عليها رحمة الله - الدهان على جرب - لن تجدي نفعا في ظل الأوضاع الراهنة في العالم العربي، فقد مرت الأمة بمثل هذه المحاولات ولم تؤت ثمارها، رغم توفر كل عوامل النجاح لأي سلطة لديها الحد الأدنى من مهارات وقدرات القيادة.  

والسبب أن معظم مؤسسات الدول العربية -ودعوني أتحدث عن بلادي مصر المحروسة - تآكلت أو تفتت أو أصبحت إرثا لمجموعات بعينها، ويكفيك أن تنظر إلى عملية التوريث في مؤسسة القضاء أو الجامعات أو الشرطة والجيش والمخابرات. وليس فقط مؤسسات الدولة هي التي وقعت في فخ التوريث، بل إنني أكاد أجزم أن بعض مؤسسات المجتمع المدني قد أصابها داء التوريث، وهنا لا أستبعد حتى المؤسسات المحترمة وذات التاريخ العريق! (لا تفهمني غلط).  

لقد تعرضت مؤسسات الدولة لعملية سماها البعض "مأسسة الفساد"؛ بمعنى أن المؤسسات لم تعد فاسدة بل أصبح الفساد مؤسسيا، وهو أمر يمكن تسميته مجازا الفوضى المنظمة. 

كل شيء خاضع للفوضى لكن هناك من يدير هذه الفوضى، وبالتالي لما حدثت ثورة يناير 2011 وحاول البعض ترميم هذه المؤسسات، وجد نفسه أمام معضلة كبرى فليس ثمة مؤسسات موجودة بل فساد مؤسسي كشبكات العنكبوت المتواصلة المحكمة التنظيم، التي تعجز أمامها عن معرفة أولها من آخرها.  
يكفيني ويكفيكم في هذا المقام تصريح الرجل المكلف بمتابعة الأجهزة والمؤسسات في مصر، وهو المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي أفصح ذات يوم عن كلفة الفساد في عام واحد هو 2015 وقال إنها بلغت ال 600 مليار جنيه مصري في عام واحد، وقس على ذلك في الأعوام السابقة وما يليها من أعوام. المفاجأة أن تصريحات جنينة -وهي كفيلة بفتح ملف الفساد ومحاكمة المفسدين- تسببت تصريحاته تلك في تحويله هو وليس غيره  (لمحاكمة أدبية) عبر لجنة شكلها الحاكم العسكري في مصر، يعني وباختصار الفساد يعلو ولا يعلى عليه. (راجع المصدر أدناه).
 
فكم عام نحتاج في مصر لكي نرقع أو نرمم آثار الفساد التي ذكرتها آنفا؟ عشر سنوات أم عشرين أم نصف قرن؟ بصراحة لا أتصور ولو مر قرن من الزمان أن شيئا يمكن أن يتحقق؛ لأننا بالفعل قضينا قرنا من الزمان ولم نحقق شيئا عبر ما يسمى بالإصلاح التدريجي، أو حتى بالانقلابات العسكرية التي قيل لنا إنها جاءت لتعيد بناء الدولة، وتأكدنا أنها صنعت لكي تبلع الدولة دون مقاومة، وأرجوك تذكر يافطة (البلد محتاجة قائد عسكري). 

وبعيدا عن الزمن، فإن كلفة الترقيع أو الإصلاح التدريجي أو الترميم حتما ستكون مرتفعة وباهظة، فالفساد لا يمكن أن ينتج إصلاحا، والتغيير التدريجي يمنح المفسدين المزيد من الوقت لترسيخ أقدامهم وليس العكس. 

خذ نموذجا آخر وهو مؤسسة القضاء وتخيل ولو للحظة أنها قابلة للإصلاح التدريجي، وسوف تكتشف أن مؤسسة القضاء ليست سوى مجموعة من العائلات المشتبكة اجتماعيا واقتصاديا، وربما سياسيا على شكل يقترب من القبيلة التي تتداعى عند كل ملمة، خصوصا إذا كانت الكلمة هي نداء الإصلاح الذي يصدع رؤوس القوم ولا يريدون سماعها.

هذه القبيلة لا يمكن إصلاحها تدريجيا ولو بعد مائة عام؛ لأنها ترى نفسها ليست فوق القانون بل هي صانعة القانون، وبالتالي كيف ستفهم هؤلاء أنهم في حاجة إلى إصلاح وتغيير؟ يمكنك مراجعة تصريحات قيادات وزارة العدل في اللحظات الأخيرة قبيل إقالة أحمد الزند وزير العدل، التي قال فيها مساعده (يحاكموا مين يا باشا إحنا اللي بنحاكم الناس دا ربنا فوق وإحنا تحت).  

البعض يتعلل بأن الثورة سوف تحدث فوضى عارمة، وأن هدم المؤسسات سيرفع من كلفة بنائها من جديد. وأعيد الجميع إلى ألمانيا الخاسرة بعد الحرب العالمية الثانية ومثلها اليابان وإيطاليا، بل عموم أوروبا التي خرجت منهكة على الأصعدة كافة من حروب مدمرة هلكت الحرث والنسل، ماذا حدث بعدها؟ لقد عادت هذه الدول وبسرعة فيما لا يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان وأصبحت دولا عظمى، بل إن دولة مثل ألمانيا استطاعت أن تعود إلى سابق عهدها كدولة واحدة، بعد أن انشطرت نصفين بعد الخسارة في الحرب العالمية الثانية. 

الثورة هي بوابة الخروج من المأزق؛ لأن كلفتها -في رأيي المتواضع- لن تزيد عن بضع مئات من المليارات من الدولارات في كل العالم العربي، بينما كلفة الصراعات والحروب الراهنة تفوق التريليونات من الدولار، بل أزعم أن كلفة الإصلاح لن تكلف العالم العربي ما يزيد على عائدات النفط لدولة خليجية في عام واحد. 
الثورة هي حبل النجاة للجميع بما في ذلك الحكام، تسألني كيف؟ أجيبك في المقال القادم إن شاء الله. 
التعليقات (0)