مقالات مختارة

باب ما جاء في حسن الجيرة

جمال خاشقجي
1300x600
1300x600
هناك مثل أمركي يقول: "جدار جيد، يصنع جيرانا جيدين"، وكذلك الحدود بين الدول التي ينبغي أن يكون ترسيمها سببا في الاحتفال لا الاختلاف، أقول ذلك بمناسبة تعيين الحدود البحرية بين المملكة العربية السعودية ومصر، والتي أعتقد أنها آخر حدود ترسّمها المملكة مع جيرانها منذ بداية سعيها الشاق لرسم الحدود في منطقة لم يعرف أهلها الحدود أو يتعودوا عليها.

بدأ الحرص السعودي على رسم الحدود مبكرا، فالمملكة بوصفها دولة حديثة وضعت لبنتها الأولى بدخول الملك الشاب عبدالعزيز آل سعود عاصمة أجداده مدينة الرياض الصغيرة عام 1902، ثم أخذت حدود البلاد تتشكل بالحرب تارة وبالسياسة والدبلوماسية تارة أخرى، كان ذلك قبل أن تعرف الجزيرة العربية وقبائلها ومشايخها "عالم وستفاليا"، ولعله لم يسمع أحد بهذا المصطلح الذي لا يزال غير دارج بيننا، غير رجال السياسة الإنجليز الذين ساهموا في صناعة عالمنا من دون رغبة منا، وهو أهم تحول حصل في أوروبا في منتصف القرن الـ17 بانتقالها إلى مفهوم الحدود المعتبرة والسيادة الوطنية وعدم التدخل.

هذه المفاهيم لم تكن واضحة في الجزيرة العربية أوائل القرن الـ20، لكنها كانت واضحة في ذهن الشاب عبدالعزيز، وإن لم يدرسها في أي كلية حرب، لكنه ناضل من أجلها، ليس مع جيرانه والمستعمر الإنجليزي الذي ناب عنهم في المفاوضات، وإنما حتى بين أتباعه من القبائل التي دانت لسيادته، وكان ترسيم الحدود بين العراق ونجد أحد أسباب تمرد بعضهم، إذ لم يهضموا فكرة أن هناك حدودا في تلك النفوذ التي خبروها ويرتحلون إليها وفق ربيعها ومائها كما فعل أجدادهم منذ آلاف السنين، وفجأة يقال لهم: لم تعد تلك المناطق شمال ذلك الخط الذي لا ترونه متاحة لكم!

مسائل عدة أثرت في عملية ترسيم حدود المملكة الناشئة، أولاها التاريخ، فدولة عبدالعزيز كانت امتدادا لدولتين سعوديتين، امتدت أولاهما شرقا وغربا، فكانت تلك الامتدادات حجة يستخدمها المفاوض السعودي، لم يكن ينجح دوما، إذ تغيرت موازين القوى، خصوصا بمجيء البريطانيين، لكن الملك عبدالعزيز استخدم علاقته الجيدة بشيوخ الخليج للوصول إلى تفاهمات مبدئية تحولت لاحقا إلى اتفاقات دولية عمل أبناؤه الملوك والأمراء على إنجازها واحدا تلو الآخر، ولم يكتمل القرن الـ20 إلا وقد وُقّع آخرها مع الكويت عام 2000 الذي قسم منطقة محايدة بين البلدين، وسبقه اتفاق عام 1992 في المدينة المنورة بين المملكة وقطر، ومن المفارقات اللطيفة أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك كان وسيطا مساعدا في إنجازه، واتفاق جدة الذي وقع عام 1974 مع الإمارات، واتفاق حفر الباطن مع عمان عام 1991، أما الاتفاق الأول فكان مع البحرين عام 1958، ووقع في الرياض، ولعل مصادفة أن كل اتفاق وقع في طرف من أطراف المملكة، رمزية لم يخطط لها أحد، لامتداد العلاقة بين دول الخليج، والتي وإن بات بينها حدود، إلا أن أهلها، بمن في ذلك الحضر منهم، عادوا إلى سيرة أجدادهم بالارتحال إلى أي مدينة سعودية أو خليجية يريدون العيش والعمل فيها وفق اتفاقات مجلس التعاون الخليجي التي ضمنت لهم حرية الانتقال والعمل.

وينقل عن الملك السعودي الراحل فيصل أنه قال، بعدما وقع اتفاق ترسيم الحدود مع مؤسس دولة الإمارات العربية الراحل الشيخ زايد آل نهيان: "إن حدود أبو ظبي تنتهي هنا في جدة". هذه الروح عالجت أي إشكال طرأ لاحقا في رسم الحدود ونقلها إلى الواقع على رمال تحوي ثروات نفطية هائلة، لكن الأهم منها أن المملكة تعاملت بجدية مع الاتفاقات، فكانت تسارع في تسجليها لدى الجامعة العربية والأمم المتحدة، فكانت ملزمة دوما للجميع، وبذلك نجحت في تلافي إشكالات خطرة سببها شركات النفط الحريصة على زيادة مكاسبها من الأراضي التي تتمتع بامتيازات تنقيب فيها.

حرصت المملكة أيضا على اقتناص اللحظات السياسية المناسبة لترسيم حدودها، فهي بين أنظمة غير ديمقراطية، وتتأثر بأهواء الزعيم، بخاصة مع الجمهوريتين المجاورتين لها، اليمن والعراق، فكان لذلك الدهاء السعودي عوائده، فالحدود مع العراق كانت أكثرها تعقيدا، لطبيعة العلاقة التنافسية بين البلدين منذ العراق الهاشمي إلى عراق صدام حسين، فحسم الاتفاق معها في بداية الحرب العراقية - الإيرانية، وأودعت وثائقه لدى الأمم المتحدة بعد ذلك.

أما اليمن، فلم يكن أيضا التوصل إلى اتفاق معه بالسهل، إذ رسم خط الحدود الأول بعد حرب 1934 فأعقبه اتفاق الطائف، ثم دخل في علاقات معقدة مع السعودية بعد ثورة 1962 ووصول الشيوعيين إلى حكم اليمن الجنوبي ثم الوحدة، وكان موضوع الحدود أحد أدوات سياسة رئيسها المخلوع علي عبدالله صالح التي تعتمد على الابتزاز والمخاتلة، لكن المملكة استخدمت أصدقاءها هناك لتحسم الموضوع باتفاق ملزم عام 2003.

لم تقتصر المملكة على ترسيم حدودها مع جيرانها المباشرين، بل حتى مع جيرانها عبر الخليج والبحر الأحمر، فثمة اتفاق يعين الحدود البحرية مع إيران وآخر مع السودان، ولعل الأول أفاد البلدين بأن حماهما من احتمال نشوب خلاف بينهما على مكامن غاز أو نفط في ظل التوتر القائم بينهما بسبب سياسة إيران العدوانية.

هذا الحرص السعودي، يفسر سبب حرص المملكة على تعيين حدودها مع مصر، فهي حريصة على أن تكون علاقتها ممتازة معها. وعدم وجود اتفاق على الحدود مدعاة للاختلاف حتى بين الأشقاء، ولكن على رغم وجاهة هذا المنطق، فإن بعضهم يطرح سؤالا ملغما، لماذا الآن، وقد مضى على وديعة جزيرتي تيران وصنافير في العهدة المصرية ثلاثة أرباع القرن؟

هناك أربعة أسباب تفسر ذلك، أولها، أن الوقت مناسب، فالعلاقة بين البلدين في أوجها، والرئيس عبدالفتاح السيسي يمتلك الشعبية والقدرة اللازمة لتمرير قرار كهذا، والثاني، أن الرياض باتت القوة الأهم في المنطقة، وحان وقت تحمل مسؤوليتها في تلك المنطقة الحساسة، التي تتمتع فيها إسرائيل بقوة ونفوذ لا تستحقه، وثالثها، مشروع جسر الملك سلمان، الذي سيغير سياسة المنطقة واقتصادها وجغرافيتها، والأفضل أن تعود الجزر إلى السيادة السعودية التي تستطيع حماية هذا المشروع وتمريره، وآخرها هو ما بدأت به المقالة، أن الحدود الجيدة والواضحة، تصنع جيرانا جيدين، فلا أحد يعرف تحديدا ما الذي يحويه خليج العقبة وجنوبه من مكامن غاز ونفط يمكن أن تكون موضوع خلاف مستقبلي بين الأشقاء، إذا لم تكن هناك حدود واضحة.

لم تُكشف تفاصيل الترسيم، لكن معرفتنا بأسلوب السعوديين في التعاقد والتفاوض تشي بأنهم لا يتركون شاردة ولا ورادة إلا ويحصيها الاتفاق، ولنا في آخر اتفاق تم بموجبه تعديل الحدود السعودية - الأردنية التي رسمها الإنجليز نموذجا، ففي عام 1965، تنازلت السعودية عن بضعة عشر كيلومترا من ساحلها لمصلحة الأردن، ليتوسع منفذه البحري الوحيد جنوب العقبة، في مقابل مساحة معتبرة تنازلت عنها للأردن بوادي السرحان، وتضمن الاتفاق بندا ملزما بتقاسم الثروات التي يمكن أن تكتشف في تلك المناطق المتنازل عنها لمصلحة البلدين.

لعل هناك بندا مشابها في الاتفاق السعودي - المصري يحكم احتمالات المستقبل، وفي كل الأحوال، فإن اتفاقات كهذه تصنع جيرانا متحابين.


عن صحيفة الحياة اللندنية
4
التعليقات (4)
أيمن عصمان ليبيا
الأحد، 17-04-2016 11:36 ص
لا أعتقد سيدي الكاتب أن إستغلال دميتكم السيسي لإقتطاع جزء من مصر سيمر مرور الكرام ، وعن أي شعبية تتحدث لهذا المجرم المنقلب؟!، أعتقد أن رد الشعب المصري على تسليم جزيرتي تيران وصنافير الذي رأيتم جزء منه في يوم الجمعة الفائت سيزداد حدة
واحد من الناس .... هل وجدت الشجاعة الكافية لتجيب سؤالي ام مازلت تبحث عنها؟؟؟
الأحد، 17-04-2016 07:19 ص
.... هل من حسن الجيرة تمويل الانقلابات العسكرية لدول الجوار؟؟؟
واحد من الناس...و هل من حسن الجوار تمويل الانقلابات العسكرية؟
السبت، 16-04-2016 08:47 م
اتمنى ان تملك الشجاعة الكافية لنجيب عن هذا السؤال
مُواكب
السبت، 16-04-2016 07:36 م
دائما نترقب نشر مقالات الأُستاذ جمال لما يتمتع به من موضوعية، لكن في هذه المرة، بوصفه السيسي بالحاكم القادر ذو شعبية، فإنه يخرج عن الموضوعية بشكل إرادي . باعتراف الجميع، السيسي حاكم ضعيف مهدد بالسقوط في أي لحظة. كان أولى أن نتعرف على أهداف السيسي الحقيقية وراء تنازله عن الجزيرتين. وحتى نتعرف على هذه الأهداف يتوجب أن نُذكر بأن ما من أحد راضٍ عن السيسي كرضاء إسرائيل عليه، وكذلك فإن سياسة هذه العقل المُخابراتي والخبيث هي ذات سياسة آل الأسد في سورية والتي تقوم على مبدأ فرق تسد، واختلاق الأزمات ، وإشعال الحرائق، كحريق سيناء مثلاً. من هذا أخلص أن هدف السيسي هو: زرع الفتنة بين الشعبين المصري والسعودي بسبب الجزيرتين. إنه أسوأ وقت لطرح مثل هذه المواضيع، وتترك السعودية الانطباع باستغلالها ضعف الحكومة المصرية لتحقيق أهداف أنانية.

خبر عاجل