قضايا وآراء

شبح العائدين من بؤر القِتال يُخيم على بلاد المغرب

محمد مالكي
1300x600
1300x600
لم يعد خافيا العدد المتزايد للمغاربيين في صفوف التنظيمات الجهادية المنتشرة والناشِطة في المشرق العربي تحديداً، وبعض بؤر الاقتتال في العالم. واللاَّفت للانتباه تَصدّر التونسيين قائمة المجنّدين لـ"الجهاد" في صفوف الحركات المتطرفة، قياساً بغيرهم من المنتسبين إلى المغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا. ففي تقرير صادر عن "مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة" السنة الماضية (2015)، قُدِّرَ عدد التونسيين الموزعين على بؤر التوتر بحوالي  5300 و5800 مقاتل في كل من ليبيا وسوريا والعراق ومالي واليمن. أما الذين لقوا حتفهم فَقدّر التقريُر عددَهم بـ 800 جهادي، في حين عاد حوالي 650 منهم إلى بلدهم.

ثمة إحصائيات كثيرة صادرة عن أجهزة استخباراتية غربية ومغاربية، وأخرى قامت بجمعها عبر التحريات مراكز بحوث ودراسات متخصصة أو مهتمة بخريطة "الجهاديين في العالم، وكلها تشترك في التأكيد على تزايد أعداد هذه الفئة من المقاتلين المُجندين خصيصاً لزرع الرعب ونشر الدمار في أكثر من بلد عربي باسم "الإسلام"، و"مقاتلة الكُفر والكفار". لذلك، تعي النظم السياسية والحكومات المغاربية خطورة عودة هؤلاء إلى أوطانهم، وفي الآن معاً تشعر بواجب الاجتهاد في صياغة سياسات من شأنها استيعابهم، وإعادة إصلاح أحوالهم وإدماجهم في النسيج المجتمعي العام لبلدانهم.

نتذكر جيدا ما تعرضت له الجزائر فور عودة أبنائها المُجندين في "حرب أفغانستان" خلال أواخر سبعينيات ومستهل ثمانينيات القرن الماضي، وكيف تحول "العائدون الأفغان" إلى وَقود لإشعال نار "العُشرية السوداء" التي ألمَّت بهذا البلد، والتي خرج منها الجزائريون منهكين على كل الصُّعُد. واليوم نلاحظ  تكرار الظاهرة نفسها، لاسيما في تونس، حيث أخافت أرقام "العائدين" المقدرة بحوالي 650 مقاتلا السلطات التونسية، ونبهتها إلى أهمية التعامل بجدية وصرامة مع هؤلاء، وإلا سيتمكنون من تشكيل خلايا نائمة، من شأنها تعميق الاختلال الأمني في البلاد. ففي إحصائيات صادرة حديثا عن "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط" حُصِر عدد المقاتلين التونسيين في مواقع التوتر بـ2800 عنصر في سوريا وحدها، و1500 في ليبيا، بينما تجاوز عدد العائدين 600 عنصر. وفي السياق نفسه، كشف رئيس حكومة تونس "الحبيب الصيد" أن 3800 شاب مُنعوا من مغادرة البلاد حتى حدود شهر آذار/مارس الماضي، وقد أرجع أسباب المنع إلى الاشتباه بنيتهم الالتحاق بجماعات إرهابية".

نتوقع في الواقع أن تكون كل الدول المغاربية معنيةً بظاهرة "العائدين" من بؤر القتال، وأن نصيب كل بلد من البلدان الخمسة من هذه الآفة وإن كان مختلفاً من قطر إلى آخر، فالمشكلة واحدة، والمعالجة لا يمكن أن تكون إلا جماعية وتشاركية، لأسباب موضوعية على رأسها الجوار الجغرافي، والتكاتف من أجل الانتصار على التطرف في أوطانهم، بالتوجه رأساً إلى مصادره والأسباب الداعية إليه.

فمن زاوية الجوار، يمكن للبلاد المغاربية فعل الكثير، إن حسُنت النيات وصدُقت الإرادات. ثم لم يعد للنظم والحكومات المغاربية في الواقع خيارات سوى الإنصات لبعضها البعض، والعمل جنبا إلى جنب، وإلا ستتعرض كياناتُها للاهتزاز، وستتآكل أرصدة قوتها بالتدريج. لنُمعن النظر في شبكة الحدود، ودرجة التداخل المجالي بين الدول، ولنقارن مدى قدرة "الإرهاب" و"الحركات الجهادية" استغلال فجوات الحدود إن لم تُحكم مراقبتها والتعاون من أجل حمايتها. فبلد شاسع جغرافيا مثل الجزائر، يتجاور مع أكثر البور توتراً واختراقاً من طرف شبكات الإرهاب، كيف يستطيع وحده، مهما كانت إمكانياته العسكرية والأمنية، ضمان سلامة أمنه واستقراره بمفرده، والأمر نفسه ينطبق على تونس والمغرب وليبيا وإن بدرجات مختلفة. لذلك، لم يعد مقبولاً ولا نافعاً للنظم نفسها، إدارة ظهرها لإشكالية المعالجة الأمنية المشتركة والتشاركية الجادّة والناجعة والمستدامة. والحقيقة أن معالجة من هذه الطبيعة والنوع، لا تنحصر في اللقاءات الثنائية أو الجماعية الشكلية أو حتى البروتوكولية، بل لابد من وضع خطط، وصياغة سياسات مسئولة وفعالة، وقادرة على تحقيق الكفاية.

بيد أن المقاربة الأمنية الجماعية والتشاركية، على أهميتها لا تكفي، بل تحتاج إلى سياسات داخلية تعضِّدها، وتدعم ممارستها السليمة. فبالعودة إلى الحالة التونسية بخصوص طريقة التعامل مع "العائذين" من بؤر القتال، يلاحظ توزّع المجتمع التونسي على نظرتين متباعدتين، هما: 

ينظر بعض التونسيين إلى اعتماد الصرامة وتطبيق القانون في أقصى صوره على ما ارتكب "الجهاديون" من جرائم ومظالم في حق بلدهم، وبلدان أخرى في المنطقة العربية والعالم. ويُصر هؤلاء على فلسفة العقاب والجزاء، لتجنب تكرار ما حصل. في حين يرى آخرون استراتيجية تدبير ملف "العائدين" بشكل سلس وتدريجي، مع التمييز بين من ثبتت في حقه جرائم بشرية وإنسانية، وبين من لم يصل إلى هذا الحدّ. ويقترح أنصار هذه الرؤية استصدار "قانون التوبة"، والصفح عن من أبدوا استعداداً لإعادة اندماجهم في بلدهم، ومساعدتهم على ذلك. وحتى الذين ارتكبوا جرائم جسيمة وطُبق القانون في حقهم فيمكن إعادة إدماجهم بعد سريان القانون في حقهم.

لا شك أن المعالجة الداخلية بالغة الأهمية، واستراتيجية، في التوجه إلى المصادر العميقة لنشوء التطرف وتزايده، غير أنم التجربة أثبتت محدودية الكثير من التجارب غير المؤسسة على رؤية عميقة ومتحاور حولها وناجعة لتجاوز الاختلالات المسؤولة عن ميلاد "التطرف" وامتداده. فـ"المتطرفون" بشر، يحتاجون إلى الشعور بوجود أقران لهم، يتقاسمون معهم شروط العيش المشترك، يُقاسمونهم الحقوق والواجبات، وتكون مثل هذا الشعور والوعي، يعود في متطلبات كثير منه إلى واجبات الدولة، لأن الدولة، كما يقال "مُربية المربِّين"، أو بتعبير الفقيه "موريس هوريو" "مؤسسة المؤسسات".
التعليقات (0)