كتاب عربي 21

مفارقات مواجهة داعش في الموصل وفي سرت

السنوسي بسيكري
1300x600
1300x600
بالفعل تثير المقارنة بين ما يجري في الموصل وما جرى في سرت تساءلات لها ما يبررها، تدور حول طبيعة المعركة في المدينيتن وطرفي النزاع من حيث الاستعدادات والتكافؤ العسكري، ثم النتائج، وإن كانت معركة الموصل في بداياتها.

يتحصن بالموصل نحو 6 آلاف عنصر من تنظيم الدولة، يحاصرون من قبل خمسة جيوش، هي الحشدان الشعبي والسني وقوات البشمركة والجيش العراقي وكتائب تابعة للجيش التركيّ، يضاف إليهم قوات متعددة الجنسيات ليبلغ مجموع المهاجمين نحو 100 ألف تسندهم طائرات التحالف التي معظمها أمريكي، وأيضا الصواريخ الموجهة من قاذفات متطورة.

في سرت التقديرات الأولية لأجهزة مخابراتية ومؤسسات معلوماتية غربية تحدثت عن 5 آلاف داعشي في سرت، ثم ما لبثت تلك المصادر وغيرها أن خفضت العدد إلى ما بين 1-2 ألفين مقاتل، وبعضها تحدث عن 3 آلاف. بمعنى أن القوة العددية للتنظيم في سرت تتراوح ما بين ثلث ونصف القوة العددية له في الموصل.

بالمقابل، فإن الفارق يظهر مختلف بشكل كبير بالنظر إلى القوة التي هاجمت التنظيم وحصرته بعد 10 أسابيع في مساحة جغرافية لا تتعدى 1كم مربعا.

العدد الإجمالي لقوات عملية البنيان المرصوص التي قضت تقريبا على تنظيم الدولة في سرت لم يتعد 6 آلاف، وتجهيزاتهم تقليدية جدا وقديمة، سواء ما يتعلق بالمركبات والسيارات المسلحة، أو الطائرات التي نفذت ما يزيد عن 200 طلعة جوية، وذلك قبل دخول المقاتلات الأمريكية على الخط، وقد كان دخولا متأخرا ولأسباب سياسية وليست لوجستية أو فنية.

الفارق الدراماتيكي بين القوات المهاجمة في الموصل وفي سرت، يكشف أن العدد الكبير والجيوش الجرارة والتجهيزات الضخمة لا علاقة لها باشتراطات كسب المعركة وتحقيق النصر، وإلا فإن الانتصار الكبير الذي حققته قوات البيان المرصوص التي يتكون معظمها من مدنيين ومقاتلين غير محترفين، سيقلل من قيمة وأهمية هذه الحشود الضخمة.

بالقطع يؤدي العامل المعنوي دوره الكبير في تحقيق النصر وكسب المعركة، فقوات البنيان المرصوص تقدمت صوب سرت بدافع واضح ومحدد، وهو القضاء على التنظيم الذي بات يهدد البلاد وأصبح خنجرا في خاصرة مدينة مصراتة، التي يشكل المشاركون في الحرب من أبنائها نحو 80-90% من المقاتلين.

بالمقابل، فإن التركيبة المتنوعة للقوات المهاجمة في الموصل تعكس خارطة شديدة التعقيد لها ارتباطات بأهداف سياسية وأيديولوجية، بحيث تغيب معها الأهداف الوطنية المتمثلة في القضاء على تنظيم لكونه أحد أبرز عوامل الفوضى الواقعة في البلاد اليوم.

فمن غايات تأمين الدولة الكردية الوليدة من قبل البشمركة بل والتمدد أكثر داخل الخارطة الجيوسياسية العراقية، إلى بسط النفوذ الشيعي بعد التهديد الذي شكله التنظيم للشيعة في العراق، إلى دوافع الانتقام الذي تغذيه نعرة طائفة شديدة التطرف، إلى الأمن القومي والدور الإقليمية الريادي التركي في مواجهة دور إقليمي إيراني بات مخيفا، إلى تعزيز النفوذ الشرق أوسطي بل والدولي في ظلال الصراع الدولي القائم في المنطقة اليوم.

هذه الخلطة المركبة والمعقدة، يمكن أن تكون أحد أسباب التعثر وتأخر النصر، وقد تسهم في خلق واقع سياسي وأمني واجتماعي يصعب معالجته واحتواؤه بعد أن تضع الحرب أوزارها في الموصل، بينما الصورة أوضح وأجلى بأن الانتصار في سرت يسهم في الاستقرار العام في المنطقة الوسطى، ويساعد على دعم الاستقرار على مستوى البلاد، وذلك في حال تم توظيفه بشكل جيد من قبل المجلس الرئاسي الليبي.

تبقى الإشارة إلى الفارق الشاسع بين الحضور الغربي في معركة الموصل، الذي يمثل عامل حسم ليس من ناحية عدد الأفراد، بل في الدعم اللوجستي المؤثر جدا، بينما دخلت الولايات المتحدة على خط معركة سرت بدعم خجول، والسبب في رأيي هو حشر واشنطن تكلفا في ضرب ثالث أهم وجود لتنظيم الدولة في العالم، فلا يقال إنه تم التخلص منه بجهود ذاتية متواضعة من ناحية عدد المقاتلين والتسليح، وتوظيف ذلك في مرحلة ما بعد التنظيم.
التعليقات (1)