مقالات مختارة

ودائما .. كانت إسرائيلُ هناك

1300x600
كأنه الزلزال. لا فارق بين ما صحا الناس عليه صباح الرابع عشر من يونيو 2017 تحت قبة البرلمان، وبين ما صحوا عليه قبل نصف قرن كامل، في مثل تلك الأيام من يونيو 1967... «النكسة». وفي الحالتين، كانت إسرائيل هناك.

الأسبوع الفائت (كما كان قبل عام) تجاوزتُ فيما كتبت النقاش العقيم حول تاريخ السيادة على الجزيرتين ووثائقه (المحكمة العليا كفتني ذلك في حيثيات من 58 صفحة) وانتقلت مباشرة إلى الحديث عن «المترتبات» على انتقال السيادة على الجزر من مصر إلى السعودية، وإلى السؤال الذي بدا أنه غاب عمن كان لا ينبغي أن يغيب عنهم مثله: أيهما أفضل «للأمن القومي العربي»: أن تظل السيادة على الجزيرتين على حالها، أو أن تنتقل إلى الدولة «العربية الشقيقة»؟ 

وهنا أكمل ببعض مما لم تتسع له مساحة الأحد الماضي.

***
هل قرأتم ما قاله «ديان» عن القيمة الاستراتيجية «لمضيق تيران»؟ وهل قرأتم تغريدات «نتنياهو» فرحا بأوضاع إقليمية قادمة يعتبرها انتصارا إسرائيليا

Better to Hold Sharm El-Sheikh Without Peace Than Peace Without This Area … at the southern tip of the peninsula، commands the Straits of Tiran and access to Israel’s port of Eilat on the Gulf of Aqaba. 

العبارة التي آثرت أن أنقلها بنصها الذي جاء في المراجع الإسرائيلية، هي لوزير الحرب الصهيوني الأشهر «موشي ديان». والتاريخ هو السابع عشر من فبراير 1971. يومها كان ديان يعبر عن العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي تدرك القيمة الاستراتيجية «للسيطرة على مضيق تيران» كما جاء في حديثه.

لم يكن ديان يومها، كما لم يكن رفيق سلاحه «أبا إيبان» الذي لجأ إلى مجلس الأمن (1954) متضررا من سيطرة المصريين على مضيق تيران المدخل الوحيد إلى خليج العقبة (أو خليج إيلات كما أسماه يومها) يعلم أن المصريين أنفسهم سيتخلون يوما ما، ودون رصاصة واحدة عن تلك السيادة «الاستراتيجية» الموجعة لإسرائيل. ولكن ها هو اليوم (الـ«ما») قد جاء في يونيو 2017 بعد خمسين عاما بالضبط من يونيو 1967. وما أدراك ما يونيو 1967.

في تلك الأيام البعيدة، تقول مضابط المنظمة الدولية (جلسة مجلس الأمن رقم 659 في 15 فبراير 1954) أن الدبلوماسي المصري القدير «السفير محمود عزمي» أوضح بجلاء أن الجزيرتين «جزء من إقليم مصر»، وهو الوضع الذي يعطيها الحق في ممارسة «السيادة» على المضيق «الممر البحري الواقع بين الجزيرتين المذكورتين وشاطئ سيناء المصري».

لم يتوقف الاهتمام الإسرائيلي بمضيق تيران (المنفذ الوحيد إلى خليج العقبة) أبدا، الأمر الذي أدركه المفاوض المصري أيامها فحرص على أن يتضمن اتفاق لجنة الهدنة المصرية الإسرائيلية المشتركة 1953 النص على منع السفن التابعة لكل من الطرفين من الدخول في المياه الإقليمية للطرف الآخر إلا في حالات الضرورة القاهرة، وأنه لا يجوز للسفن التابعة لإسرائيل الدخول في المياه الإقليمية المصرية. ومؤدى ذلك ولازمه أنه ليس من حق السفن الإسرائيلية المرور في مضيق تيران (فقرة 2 من المادة 3 من الاتفاقية).

والحاصل أن المضيق كان رقما دائما في معادلات الحروب المصرية الإسرائيلية كلها. فاتفاق الهدنة (1953) أشار إليه. وترتيبات ما بعد حرب 1956 أدت إلى التعطيل الفعلي لممارسة السلطات المصرية «مؤقتا» حق الإشراف والرقابة على الملاحة في المضيق، وهو الأمر الذي أنهاه عبدالناصر في 23 مايو 1967، واستجاب له الأمين العام للأمم المتحدة وقتها «يو ثانت» في تقريره إلى مجلس الأمن في 26 مايو 1967 ثم كان بعد حرب 1973 أن حرصت إسرائيل على أن تتضمن معاهدة السلام (1979) في مادتها الخامسة النص على «حرية الملاحة والعبور الجوي». وهو النص الذي حرصت الدبلوماسية المصرية على إجلائه عند التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في يوليو 1983. بالتأكيد على ألا تمس بنود معاهدة السلام بالوضع القانوني للمضيق ومياهه. والمعروف أن قانون البحار الدولي هذا الذي تضمنته اتفاقية 1982 يعطي للدول سلطة على الممرات المائية التي تمر بين شاطئين يخضعان لسيادة الدولة ذاتها، تتمثل في أمور عدة أوضحناها في مقال الأحد الماضي.

كان المضيق رقما دائما في معادلات الحرب والهدنة والاتفاقات المصرية الإسرائيلية كلها
واقع الحال إذن (وهذا هو مربط الفرس) أن المضيق الضيق الواقع بين شاطئ سيناء وجزيرة تيران هو الممر الوحيد الصالح للملاحة. وأن تلك الميزة الاستراتيجية بالتحكم «قانونا» فيه بموجب قانون البحار (بحكم كونه محصورا بين شاطئين مصريين) ستفقدها مصر تلقائيا بمجرد انتقال السيادة على الجزر (والتي تمثل أحد الشاطئين) إلى دولة أخرى. 

أعرف أن اتفاقية السلام مع إسرائيل وقواعد القانون الدولي تفرضان حرية المرور «البريء» بالمضيق. (أكرر: «البريء»)، ولكني أعرف أيضا (كما يعرف غيري من الدبلوماسيين والقانونيين) أن هذا المبدأ يجري تعطيله زمن الحرب، ليصبح لمصر «العربية» الحق المطلق في فرض ما تريد من قواعد للمرور (أو منع المرور) في المضيق. (كما سبق وأوضحت، كما أوضح غيري) أما إذا أصبحت الجزيرتان سعوديتين (بغض النظر عن الأسباب) فإن الممر يصبح تلقائيا ممرا «دوليا» بالتعريف، لا تملك مصر (ولا السعودية) قانونا أي سلطة خاصة عليه، لا في زمن السلم، ولا في زمن الحرب. حتى لو جرى إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل في أي وقت من مستقبل لا نعرفه.

***

خلاصة القول إذن أن إسرائيل هي الرابح الأول (بل والوحيد ربما)، مهما أدت الاستقطابات المريضة بأصحابها إلى غض الطرف عن الحقيقة. ومن ثم إلى إخفائها عن الناس. أما وقد سمعت على شاشة التلفزيون «من المصريين» من يقول إن إسرائيل لم تعد عدوا، بل علينا «أن نشترك معها في حلف واسع للحرب على الإرهاب»، فلعلي أذكره أولا بأن الأمن القومي لا يُعنى فقط بالسلاح والعتاد والحروب. ثم لعلي أعيده إلى تقرير Blair Cunningham في هاآرتس الإسرائيلية (فبراير 2014) عن مشروع إسرائيلي جديد برعاية نتنياهو لإنشاء قناة بديل لقناة السويس تربط إيلات على خليج العقبة، بميناء أشدود على البحر المتوسط. أو لعلي أعيده ثانيا إلى دراسات إسرائيلية منشورة حول حفر قناة تصل بين البحرين الأحمر والميت Red Sea–Dead Sea Water Conveyance؛ حلم تيودور هيرتزل القديم. وأسأله: هل كنت تتصور قبل عقود أن تصل الأمور بمياه النيل إلى ما وصلت إليه مع إثيوبيا؟ 

ثم لعلي أعيده ثالثا إلى كتاب لباحث إسرائيلي متخصص في الاستراتيجيات والأمن القومي، ويحمل درجة الدكتوراه. واسمه إيهود إيلام Ehud Eilam

الكتاب الذي صدر في يوليو 2014، ويحمل عنوان «الحرب القادمة بين إسرائيل ومصر» The Next War between Israel and Egypt لم يحظ على حد علمي بتغطية تذكر في الصحافة العربية. ولم يكن ذلك غريبا، فربعنا منشغلون «بالصراعات البديلة»؛ إما داخليا على كراسي الحكم، أو إقليميا على نفوذ لن يكون له واقعيا ذكر مع ما تأخذه إسرائيل يوميا من مساحات نحو أهدافها الاستراتيجية.

يقدم الكتاب (الذي عمل صاحبه مستشارا للجيش الإسرائيلي) تصورا «عسكريا» تفصيليا لحرب «محتملة» بين إسرائيل ومصر، ويعتمد فيه كاتبه على مقابلات شخصية ووثائق غير منشورة، ويفرد جانبا كبيرا لما قد يمثله الواقع الحالي لسيناء المحكومة باتفاقات كامب دافيد على المعطيات التقليدية للحروب السابقة بين مصر وإسرائيل. 

ربما لا يكون The Next War between Israel and Egypt «أكثر من كتاب»، مهما كانت خبرات وعلاقات كاتبه، ولكني تعلمت من العسكريين أن كل الاحتمالات واردة.. وكل السيناريوهات مفتوحة. 

***

هل لكل هذا صلة «بصفقة القرن» التي لم يعد الحديث عنها سرا، والتي تستهدف (كما تقول المصادر الإسرائيلية والأمريكية بوضوح) إعادة ترتيب المنطقة وصراعاتها (على أساس «طائفي») بحيث يمكن قبول إسرائيل أخيرا «كدولة يهودية نقية» كما يقول المشروع الصهيوني المعلن؟ وبحيث تموت القضية الفلسطينية «إكلينيكيا»، على الرغم مما قد يمثله ذلك من ضياع فرصة السلام «القائم على العدل»، ومن ثم الاستقرار «الحقيقي» والذي لا يمكن له أن يتأتى مع شيوع الإحساس بالظلم والغبن وضياع الحقوق. كما لا يمكن له أن يتحقق وسط صراع طائفي «بديل» سيجرنا حتما بحكم طبيعته «الثيولوجية المقدسة» إلى أتون لا ينطفئ.

هل نحن نبالغ حين نقرأ جيدا تغريدات نتنياهو الذي لم يستطع أن يخفي فيها غبطته بعهد جديد من التعاون، يعتبره انتصارا إسرائيليا (وهو كذلك) في الذكرى الخمسين ليونيو 1967.

لا أدعي أنني أملك الإجابة القاطعة على صلة «الإسراع» في مسألة الجزيرتين القديمة تلك بهذا السيناريو «الإسرائيلي» الكئيب؛ (الصفقة). ولكنني أملك قطعا أن أسأل ذات السؤال الذي طرحه كل من تتبع «الخط الزمني» لهذه الاتفاقية: ما الذي أخرجها فجأة من ثلاجة البرلمان الذي نعرف من يمسك بمفاتيح أدراجه، بعد أن مكثت فيها أربعة عشر شهرا كاملة؟ ما الذي جرى ليتم الدفع بها وإقرارها في ثلاثة أيام (منها ثلاثون دقيقة في لجنة الأمن القومي وتسعون دقيقة في الجلسة العامة لبرلمان يضم 596 عضوا أحسب أنهم جميعا مهتمون بأمر الأمن القومي لبلدهم). ما الذي جرى ليتم التصويت بالشكل الذي جرى به وشاهدناه جميعا فيما تسرب من تسجيلات لجلسة كان هناك من أراد أن يخفيها عن الناس؟

ليس لنا أن نرمي بظهر الغيب، كما لا نملك قطعا مهارة قراءة الفنجان أو الودع، ولكننا نعرف قراءة الأخبار والصحف. ومما قرأنا أن دونالد ترامب (الذي لا تخفى ميوله، ولا تصريحاته عن أحد) التقى الأمير محمد بن سلمان في واشنطن (14 مارس 2017) ومن بين ما خرج به اللقاء حديث عن العلاقات مع مصر. ثم كان أن قرأنا في اليوم التالي مباشرة نبأ إعادة «أرامكو» ضخ البترول، كما قرأنا في اليوم ذاته تصريحا لرئيس البرلمان المصري علي عبدالعال يعلمنا فيه بأن الاتفاقية - التي كانت قد تلكأت أحد عشر شهرا - ستأخذ طريقها إلى البرلمان.

هل هي محض مصادفات، أم ظلال «ترامبية» ثقيلة؟ 

لا نعرف. ولكننا قطعا نعرف أن من الحكمة أن يدرك المراهنون على ترامب، أنه نفسه لا يملك المراهنة على (بقائه) على كرسيه. ثم إننا أيضا نعرف، وتعلمنا من العسكريين أن اعتبارات الأمن القومي التي عرفناها لعقود (باقية)، وأنها بالضرورة لا تتغير هكذا بين يوم وليلة.

***

خلاصة القول إذن أن إسرائيل هي الرابح الأول وربما الوحيد.

يبقى ضرورة تذكير الجميع هنا وهناك بما حرصت على تأكيده في كل مرة كتبت عن الموضوع: أن هذه القضية ليست «مصرية / سعودية» كما قد يفهم أو يحاول البعض أن يفهمنا، بل قضية «عربية / إسرائيلية» كما سبق بيانه. وأن أي حديث في القانون أو التاريخ ينبغي ألا يفسد للود قضية بين الشعبين الشقيقين، (كما كان ينبغي ألا يفسد للود قضية بين المختلفين في الرأي من أبناء الشعب الواحد) فضلا عن أهمية ألا تتوه حقائق الأمن القومي «الجيوستراتيجية» المشتركة وسط الصراخ والضجيج والاتهامات المتبادلة.

كما يبقى ضرورة تذكير أصحاب الخطوة القادمة أن الاتفاقية، إذا جرى التصديق عليها (إمعانا في الاستهانة بالدستور والقانون) ستنتج آثارا «مما لا يمكن تداركه» كما يقول المصطلح القانوني. إذ بتصديق الرئيس عليها، ومن ثم إيداعها الأمم المتحدة يصبح كل ما سبق واقعا حتميا ونهائيا. ولا يبقى لنا غير التسليم بانتصار نهائي لإسرائيل في معركتها التي بدأتها 1956، ثم استكملتها قبل 50 عاما (يونيو 67) لإنهاء السيطرة المصرية «القانونية» على مضيق تيران المفض إلى خليج العقبة. 

***

وبعد..

أعرف أن كلامنا هذا وكلام غيرنا؛ من عسكريين، أو مدنيين، أو موالين… إلى آخر قائمة ليس لها آخر، لن يجدي نفعا مع استعلاء نظام جربناه ونعرفه.

ندرك هذا بحكم التجربة.. ولكن ليس لمثل هذه حقيقة أن تسقط عن صاحب الرأي، واجب أن يقول رأيه.. ثم يمضي.

الشروق المصرية

الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع