كتاب عربي 21

تركيا ومخاطر التدين المتوحش

1300x600
هناك فرق كبير بين الدين والتدين. الأول مجموعة نصوص لا تنطق بنفسها، بينما التدين هو محاولات يقوم بها بشر يترجمون من خلالها ما فهموه من تلك النصوص. ولهذا لم يوجد في تاريخ الأديان نمط وحيد ونهائي للتدين، وإنما كانت هناك أنماط كثيرة ولا تزال للتدين. وسيبقى هذا الحال مستمرا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، لأن تحقيق التطابق بين المصطلحين يؤدي بالضرورة إلى إلغاء الدين.

في الأيام الأخيرة، نظمت مجموعة من النساء التركيات مسيرة احتجاجية بقلب مدينة إسطنبول، رفعن خلالها لافتات وشعارات تندد بما اعتبرنه تدخلا مرفوضا في حرية اختيار ما يروق لهن من لباس. وبقطع النظر عن حجم المسيرة وما قد يقال عن خلفياتها ودوافعها، فإن الخبر في حد ذاته يستوجب الوقوف عنده وتفكيك دلالاته.

هناك صنف من المتدينين لم يدركوا أن حريتهم الدينية مرتبطة بضمان حرية الاعتقاد للآخرين، وأن احترام خصوصيات من يختلف معهم شرط أساسي لكي تتحقق المعادلة الديمقراطية في المجتمع وفي الدولة.

تعتبر تركيا حالة مهمة ونموذجية لفهم هذه المعادلة وتفكيك دلالتها ورموزها. فعندما أراد كمال أتاتورك أن يبني تركيا الحديثة عمل على هدم النموذج العثماني والقضاء على جميع مقوماته. ولكي يحقق ذلك قرر التخلص بكل قسوة من نمط التدين السائد يومها إلى درجة المساس من حرية التدين وانتهاك حقوق الإنسان. ويعلم الجميع حجم الخسائر والمظالم التي ترتبت عن هذه السياسة القمعية والاستبدادية.

اليوم، وبعد أن نجحت تركيا في تحرير جزء هام من الفضاء الخاص وإخراجه من هيمنة الدولة ووصايتها، يخشى أن تميل الكفة من جديد نحو الاتجاه المعاكس ليقع الشعب التركي في حالة من التطرف المضاد الذي قد يختلف في الشكل لكنه يتحد في الجوهر، لأنه يستهدف الحريات الفردية بشكل مباشر.

ما الفرق بين ذلك القانون السخيف الذي كان لعشرات السنين يحرم الطالبات من التمتع بحق الدراسة لمجرد حملهن الحجاب، وبين تهديد حرية الفتيات والنساء في أن يلبسن ما يرغبن فيه بما في ذلك السراويل القصيرة؟. فالحكم على المحجبات كان يستند على المظهر وعلى خلفية أيديولوجية، واليوم تستند الحملة الجديدة على نفس المنطق، أي محاكمة الظاهر لفرض رؤية إيديولوجية مضادة وبديلة.

إنه الاستبداد المغلف بالدين والقادر على نسف كل ما تحقق من إصلاحات قانونية وسياسية.
هناك نزعة تدين خطيرة بدأت تظهر في تركيا يجب التصدي لها بكل جدية لأنها يمكن أن تتطور وتتعاظم وتشكل تهديدا مباشرا للنمط المجتمعي الذي أفرزته المرحلة الجديدة. وهو نمط يقوم على التمييز بين الشأن العام والشأن الخاص، بين ما هو من مشمولات الدولة وبين ما هو من صلاحيات الفرد وحقوقه وخصوصياته.

يبدو جليا اليوم أن بعض المتدينين الأتراك يفكرون جديا في الانتقام من مرحلة الاستبداد الكمالي، وهم يظنون بأن ذلك يتم من خلال حرمان مخالفيهم من بعض حقوقهم الذاتية، وذلك كخطوة أساسية نحو فرض ما يعتقدون بكونه "النمط المجتمعي الشرعي". ويظن هؤلاء أن الغلبة لهذا النمط المجتمعي أو ذاك مرتبط بموازين القوى الانتخابية، وأن الحريات الفردية والجماعية تتأثر مباشرة بعامل الغلبة السياسية، وأن من يؤمن مواقعه في الدولة يصبح مفوضا للتصرف في الأفراد والجماعات وفق ما يراه "حقا" أو "صوابا". وبطبيعة الحال وإذا ما ترك لهؤلاء المجال واسعا ومفتوحا فإنهم سيجهزون على النمط التعددي والمتسامح الذي أفرزته السنوات القليلة الماضية لتركيا.

وإذا لم تتحمل قيادة حزب العدالة والتنمية مسؤولياتها التاريخية، وبالأخص الرئيس أردوغان، فإن هؤلاء المستثمرين الجدد في الحق الديني سيلقون بالشعب التركي في أتون مربع التدين التسلطي والمتوحش. وعندها لن تكون لتركيا أي ميزة عن بقية دول المنطقة، لأن هذا النمط من التدين متخلف وقاتل، إضافة إلى كونه سيعيد العجلة إلى الخلف، وينمي لدى الشباب والأجيال القادمة تلك الرغبة الدفينة في التخلص من الإسلام كدين وليس الاكتفاء فقط بمحاربة النمط المتعجرف الذي تعاني منه مجتمعات عديدة لتدين بلا روح ولا حرية ولا إيمان.