صحافة دولية

دبلوماسي أمريكي: هذه نقاط قوة استراتيجية ترامب للأمن القومي

خليل زاد: ترامب يكشف عن استراتيجية أمن قومي قوية- أ ف ب

نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" مقالا للدبلوماسي السابق زلماي خليل زاد، يقول فيه إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نشرت هذا الأسبوع استراتيجيتها للأمن القومي، ويمكن تمييزها بسهولة من الوثائق السابقة المتعلقة في الموضوع. 

 

ويقول خليل زاد: "عادة ما تكون هذه الوثائق عبارة عن تجميع من المستويات الدنيا إلى العليا تجمع معا، وتعنون على أنها استراتيجية، لكنها لا تحتوي ترتيبا أو أطرا أو أولويات، وتستحق الإدارة الإشادة للقيام بهذه العملية في وقت مبكر، وفي الواقع فإن هذه أول وثيقة استراتيجية تشمل الحكومة كلها، وتم عملها من الأعلى إلى الأسفل منذ أن أصدر البنتاغون عام 1992 توجيهات السياسة الدفاعية بعد انتهاء الحرب الباردة، ومع أن إدارة جورج بوش الأب لم تتبن تلك التوجيهات، إلا أنه تم تبني الكثير من المفاهيم التي احتوتها تلك الوثيقة في وثائق الاستراتيجيات".

 

ويضيف الدبلوماسي في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، أنه "بالنسبة للمحتوى، ففي تقديري تحتوي استراتيجية ترامب على عدة جوانب قوة، فأولا هناك وضوح بالنسبة للسياسات العالمية وأين نحن كبلد، ففي عام 1992 كنا في عصر القطب الواحد في نهاية الحرب الباردة، وكانت أمريكا هي المسيطرة، وكانت القضية هي تكريس هذه السيادة، ومنع قيام منافس عالمي، ومنع القوى المعادية من مد نفوذها إلى المناطق الحساسة".

 

ويشير خليل زاد إلى أن "تلك الحقبة القصيرة من القطب الواحد انتهت، وفي المناطق الحساسة أصبحت الصين وروسيا وإيران تشكل تحديا لأمريكا وحلفائها وشركائها، وأصبحت كوريا الشمالية على وشك التمكن من تهديد المدن الأمريكية الكبيرة بالأسلحة النووية، بالإضافة إلى أن التوجهات الإقليمية والعالمية جعلت مناطق كثيرة غير مستقرة، مولدة سيولا من اللاجئين، التي بدورها تسببت بآثار سياسية كبيرة، وتنامى التهديد من الأطراف غير الحكومية، مثل الإرهاب الدولي، الذي تدعمه أحيانا دول عدوة".  

 

ويقول الدبلوماسي الأمريكي: "نحن شاركنا في هذه التطورات كلها، أحيانا بالتخلي عن التفاعل بشكل متهور، وأحيانا بالتسرع في تنفيذ خطط لم يتم التفكير فيها مليا، أو الفشل في استغلال فرص ذهبية، وفي حالات أخرى الفشل في منع نشوء تهديدات قبل حصولها، هذه الأخطاء وقعت من الحزبين ومن الفرعين التنفيذي والتشريعي، وكنتيجة لهذا انتقل توازن القوى في مناطق مهمة نحو قوى معادية".

ويضيف خليل زاد: "ثانيا: تعالج وثيقة الاستراتيجية التي تم نشرها مؤخرا النقاش الدائم في أمريكا ما إذا كان الموجه للسياسة الخارجية يجب أن يكون المصالح أم القيم، ففي عقيدة ترامب التي تعكس تساؤل الشعب عن مدى الحكمة من المغامرات الدولية الأخيرة، فإن التوازن انحاز نحو المصالح لكن لا تلغى القيم، وبدلا من ذلك تدعو إلى (واقعية مبدأية)، وهو ما يعني أن السياسة ستكون وفق القيم لكن مع المزيد من التعقل".

 

ويلفت الدبلوماسي إلى أن "النقطة الثالثة تعرف الوثيقة بمركزية تحسين أسس القوة الأمريكية، خاصة الأداء الاقتصادي، وهذا أمر مهم جدا، حيث لا تستطيع أمريكا الحفاظ على موقعها في العالم إذا تراجعت أسباب قوتها، فأمريكا تواجه تحديات مالية لدعم برامجها الاجتماعية والدفاعية ومصاريف الشؤون الدولة، في وقت ترتفع فيه المديونية الوطنية والعجز السنوي في الميزانية، ولن نستطيع مواجهة هذه التحديات دون معدلات نمو أكبر، ويجب أن ننتظر لنرى إن كان بالإمكان تحقيق نمو بمعدل 3 إلى 4 % وهو هدف الرئيس، لكن أن يبقى النمو بمستوى 2% أو أقل فإن أمريكا ستضطر إلى الاختيار بين البرامج الاجتماعية المحلية والدور الأمريكي الدولي، وهذا خيار غير مرغوب، وتركيز استراتيجية الأمن القومي على الاقتصاد الأمريكي أمر سليم". 

 

ويبين خليل زاد أن "الوثيقة ركزت على أهمية إعادة ترجيح الكفة العسكرية الأمريكية مقابل أي خصوم محتملين، فانتشار التكنولوجيا العسكرية، خاصة تلك المتعلقة بالتوجيه الدقيق، يعني أن منافسي أمريكا بدأوا يلعبون على المستوى ذاته تقريبا، وأثرت عمليات تخفيض النفقات على الاستعدادات والتحديث، وسيستغرق الأمر في حدود عقد لإصلاح الخلل، وقد آن الأوان للبدء في فعل ذلك". 

 

ويقول الدبلوماسي: "رابعا: تضع الوثيقة صيغة معقولة للتعامل مع القوى الكبيرة الأخرى؛ مواجهة الأفعال المتسببة بالمشكلات، ومنع وقوع الصراع، والتعاون في مسائل المصالح المشتركة، وفي ذلك اعتراف بأن أهدافنا تتصادم مع أهداف الصين وروسيا، لكن من الأفضل تجنب الصراع، خاصة أن هناك تلاقيا في المصالح في بعض القضايا المهمة، ويجب أن تكون أي سياسة تجاه قوة معادية مزيجا من التفاعل والاحتواء".

 

ويضيف خليل زاد: "خامسا، استراتيجية الأمن القومي الجديدة صريحة تجاه بعض القضايا الإقليمية، فهي تسمي الدور السلبي الذي تؤديه باكستان في إطالة الصراع الأفغاني وتعقيده من خلال حماية وتسليح ودعم حركة طالبان وغيرها من المتمردين، وكانت الإدارات الأمريكية السابقة سمحت لباكستان بأن تؤدي الدور المزدوج، حيث تتلقي الدعم الأمريكي في الوقت الذي تقوض فيه الجهود الأمريكية". 

 

ويتابع الكاتب قائلا: "سادسا، تشير الاستراتيجية إلى الحاجة للتغيير المؤسساتي، ومن تجربتي كوني سفيرا في مناطق النزاع، أستطيع القول بأن أقسامنا ووكالاتنا ليست مهيكلة ولا مزودة بالموظفين ولا متكاملة بشكل يجعلها ناجحة في المهمات المنوطة بها، وقد ركزت الوثيقة على أهمية تجديد وإصلاح الأدوات السياسية، وأبرزت أهمية خلق دبلوماسية منافسة تدافع عن المصالح الأمريكية".

 

ويواصل خليل زاد قائلا: "سابعا، منحت إدارة ترامب وزنا مناسبا للمعلومات والبيانات بصفتها نطاقا جديدا للمنافسة، فهذه الأدوات الجديدة تؤثر في السباق من خلال الهجوم والدفاع الإلكتروني، وإدراج ذلك ضمن العمليات العسكرية، كما تؤثر في الاقتصاد من ناحية الملكية الفكرية وأداء الشركات النسبي، عن طريق تحسين الإنتاجية والفعالية، وتحديد الوثيقة لأهمية هذه القضية يعترف بالتحدي الجديد الذي يواجه أمريكا".

 

ويبين الدبلوماسي أن "هناك قضايا تحتاج لإعادة النظر مع مرور الوقت، فمن المفرح أن الرئيس، بالرغم من لغة الحملة الانتخابية، يتبنى الآن تحالفات وشراكات، ومع أنه محق في الطلب من الشركاء، فإنه تحمل جزءا من العبء للدفاع المشترك، وتبقى المسألة هي كيف سيحافظ على هذه الفكرة وسيطبقها".

 

ويقول خليل زاد: "كوني عضوا في الوقف الوطني للديمقراطية فاجأني في الوثيقة تراجع مكانة الترويج للديمقراطية، لكن نظرة الرئيس للحرب في العراق وليبيا تعني أن الدعوة لتغيير أنظمة لن تكون على الأجندة في المستقبل المنظور، كما يبدو أن تحدي الأنظمة الديكتاتورية لم يعد أولوية، مع أن الرئيس تحدث بقوة عن الوضع في فنزويلا، ومع أن الوثيقة تحدثت عن الحاجة لتقديم مثال ملهم والتعاون مع الدول الطموحة التي تحمل الرؤى ذاتها".

 

ويضيف الدبلوماسي: "نحتاج، كبلد، أن نقوم بحوار مستنير حول أساليب وحدود التأثير الفكري، وتوسيع الديمقراطية، فيجب علينا بكل تأكيد عدم التخلي عن تلك الأهداف، لكننا بحاجة إلى تحليلات نتعلم منها بناء على تجاربنا".  

 

ويختم خليل زاد مقاله بالقول: "مهما كانت الوثيقة إيجابية فإن التطبيق هو الاختبار الحقيقي لها، ومع أن إدارة ترامب أوضحت مسارها في بعض الجوانب، مثل استراتيجيتها في وسط وجنوب آسيا، فإنه ينتظرها الكثير من العمل في مجالات أخرى، مثل الأمن السايبري، وتمويل إعادة القوة العسكرية إلى سابق عهدها".