كتاب عربي 21

عام آخر من الحرب.. والاحتمالات السيئة

1300x600

حصاد العام 2017 في اليمن سيئ للغاية، فالفقر والعوز والأمراض والأوبئة تسد الأفق أكثر من دخان الحرب، وتخلق وضعا مأساويا نخشى أن تتغير معه المعادلة الراهنة؛ فتتحول معه اليمن إلى ساحة صراع منفلتة من كل القيود، ويتعزز الدور العسكري والسياسي للمليشيا الحوثية أكثر مما نراه اليوم.

ما يجري على الساحة اليمنية ربما يقارب التوصيف الذي أطلقه منسق الشؤون الإنسانية؛ الذي لا يزال حتى اللحظة مقيما في صنعاء، جيمي ماكغولدريك، عندما اعتبر الحرب عبثية.

ربما تكون هذه هي العبارة الوحيدة التي لا يؤاخذ عليها هذا المسؤول الأممي المثير للجدل، الذي كرس طيلة فترة الحرب؛ دورا منحازا لمليشيا الحوثي الطائفية الإرهابية في اليمن، دون أن يرف له جفن.

 

الحرب تتحول بالفعل إلى ما يشبه العبث، بالنظر إلى استمرار التناقض الظاهر بين أهداف الحرب المعلنة للتحالف؛ وتلك التي تصاغ في غرف مظلمة


فالحرب تتحول بالفعل إلى ما يشبه العبث، بالنظر إلى استمرار التناقض الظاهر بين أهداف الحرب المعلنة للتحالف؛ وتلك التي تصاغ في غرف مظلمة وفق هوى دولتي التحالف الرئيسيتين: السعودية والإمارات، وبما يتفق مع النزعة المضطربة لحاكم واشنطن الجديد والأهوج والمتعصب، دونالد ترامب.

فالتحالف جاء لإعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء، ولكنه يمنعها حتى من العودة إلى عدن التي أصبحت محررة، وما يزال الحراكيون الجنوبيون يقيمون أسوارا من الإجراءات الأمنية حول المحافظات الجنوبية المحررة لمنع أبناء المحافظات الشمالية من الدخول إلى الجنوب، وخصوصا أبناء محافظة تعز الأقرب إلى مدينة عدن.

 

التحالف جاء لإعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء، ولكنه يمنعها حتى من العودة إلى عدن التي أصبحت محررة


المعاناة الإنسانية التي يواجهها المدنيون على مشارف عدن لا تحتمل، فهؤلاء مضطرون إلى سلوك هذا الطريق بهدف استخدام المطارات والموانئ، لأغراض السفر أو العلاج وللوصول إلى مأرب.

واللافت أن كل ذلك يجري وسط ترتيبات حثيثة للانفصال، وهو حلم معلن لقسم من الجنوبيين، أكثر ما تغذيه اليوم هي السياسات الإماراتية.

 

كل ذلك يجري وسط ترتيبات حثيثة للانفصال، وهو حلم معلن لقسم من الجنوبيين، أكثر ما تغذيه اليوم هي السياسات الإماراتية

على مدى عام 2017، تحققت إنجازات عسكرية مهمة.. فقد تم تحرير منطقة باب المندب وجنوب الساحل الغربي، الذي يضم ميناء المخا، ووصل الجيش مدعوما بطيران التحالف إلى أول مدن محافظة الحديدة.

وفي وسط البلاد، تم تحرير آخر مديريتين في محافظة شبوة، وهما عسيلان وبيحان، ومعهما قُطعت الخطوط البرية التي كانت تؤمن الإمدادات المختلفة للانقلابيين، عبر طرق تهريب تبدأ من ساحل البحر العربي وتنتهي إلى مناطق نفوذ وسيطرة الحوثيين.

المعارك التي يدعمها التحالف بلغت محافظة البيضاء المجاورة لشبوة، ومن شأن ذلك أن يساهم في تضييق الخناق على الحوثيين أكثر من أي وقت مضى.

ويبدو أن الإنجازات العسكرية الأخيرة في شبوة والبيضاء، تأتي بناء على أولويات السعودية؛ التي انكسر كبرياؤها جراء إطلاق مليشيا الحوثي صاروخين بالستيين على الرياض خلال أقل من شهرين، الأول استهدف المطار والثاني استهدف القصر الملكي، في حين أن الإنجازات التي تحققت في الساحل الغربي تندرج ضمن مخطط إماراتي للسيطرة على السواحل اليمنية، وهو مخطط مرتبط أكثر بالأولويات الأمريكية، وليس هناك أدنى شك بأنه يأتي أيضا في سياق حرص الإمارات على بناء نفوذها الخاص في اليمن، على حساب السعودية وضد مصالحها الحيوية.

لا يختلف اثنان في أن الإنجازات العسكرية التي تشرف عليها الإمارات في الساحل الغربي قد تحولت - رغم أهميتها - إلى وبال على اليمنيين؛ لأنها عزلت السكان عن عمقهم الجغرافي في محافظة تعز.. حرمتهم من ثاني أهم ميناء على البحر الأحمر، وهو ميناء المخا الذي تحول إلى قاعدة عسكرية إماراتية مغلقة.

 

شهدت علاقات التحالف مع الأمم المتحدة تدهورا ظاهرا؛ تجلى في الفشل الأممي في تحريك الملف السياسي، وفي إدراج التحالف والحكومة الشرعية ضمن القائمة السوداء


خلال هذا العام، شهدت علاقات التحالف مع الأمم المتحدة تدهورا ظاهرا؛ تجلى في الفشل الأممي في تحريك الملف السياسي، وفي إدراج التحالف والحكومة الشرعية ضمن القائمة السوداء لمنتهكي حقوق الطفولة، على قدم المساواة مع المليشيا الانقلابية.

لا تتعرض الإمارات إلى القدر نفسه من الضغوط التي تمارسها العواصم الغربية لإنهاء الحرب، على خلفية الوضع الإنساني المأساوي الذي يعاني منه اليمنيون جراء استمرار الحرب. 

 

حين تبدو دروس العام المنقضي مليئة بالعبر التي يتعين أن تتأملها الرياض بعمق، فإن أهم ما يتعين عليها التركيز عليه هو بناء جبهة يمنية واسعة في مواجهة الانقلاب

وعلى الرغم من الثقل الهائل للمصالح السعودية في الغرب، فإن هذه الضغوط تفقد السعودية توازنها في الحرب الدائرة، ليس فقط في جارتها الجنوبية، وإنما أيضا في حدها الجنوبي، وتهددها بفقدان ميزة السيطرة على المجال الحيوي لليمن.

وفي حين تبدو دروس العام المنقضي مليئة بالعبر التي يتعين أن تتأملها الرياض بعمق، فإن أهم ما يتعين عليها التركيز عليه هو بناء جبهة يمنية واسعة في مواجهة الانقلاب. قد يبدو التقارب مع الإصلاح أهم خطوة اتخذت في هذا الاتجاه، لكن هذا يقتضي تخلص الرياض من الإملاءات الإماراتية السيئة التي كادت أن تحوّل الحرب في اليمن إلى مستنقع خطير من شأنه أن يغرق المملكة، وهي التي تحارب في اليمن للنجاة من مخاطر كثيرة.