صحافة دولية

نيويورك تايمز: هل تنجح خطط ابن سلمان في بناء اقتصاد جديد؟

نيويورك تايمز: يجب على ابن سلمان الحكم بشكل إصلاحي لتجاح خططه الاقتصادية- أ ف ب

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز " مقالا لمراسل مجلة "إيكونوميست" لشؤون الشرق الأوسط نيكولاس بيلهام، يتحدث فيه عن الخطط الاقتصادية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وفرص نجاحها.

 

ويقول الكاتب إن هدف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لاستبدال نظام الدولة الإقطاعي الفاسد في السعودية باقتصاد سوق شبيه على غرار الدول الغربية محكوم عليه بصعوبة المنال، ما لم يتوقف عن التصرف مثل المستبدين، ويبدأ بالحكم بشكل إصلاحي.

ويشير بيلهام في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أنه عندما أعلن ابن سلمان عن خطة التحول الوطني الطموحة عام 2016، فإنه وعد بأن يقوم بخصخصة الأصول التابعة للدولة، وبأن يوفر 1.2 مليون وظيفة في القطاع الخاص، ويخفف من البطالة إلى 9% بحلول عام 2020، لافتا إلى أن هذه الخطة تعد استعادة لعلاج قديم، وهو فطم اقتصاد المملكة عن النفط.

ويفيد الكاتب بأن "الأمير محمد حقق تقدما، فقلل من العقبات التي تمنع المرأة من المشاركة في سوق العمل، وخفف من دعم السلع، ورفع من الضرائب غير المباشرة، وفي ا كانون الثاني/ يناير رفع سعر أسعار الوقود بنسبة 80%، وفرض ضريبة مبيعات قيمتها 5%".

ويستدرك بيلهام بأن "تواصله مع القطاع الخاص، الذي تعتمد خطته عليه، كان متعثرا؛ بسبب قلة القدرات ونقص الخبرة الموسساتية، بالإضافة إلى غطرسته المتزايدة، حيث ينفر قمعه المصادر التي يجب أن يبحث عن جذبها". 

ويلفت الكاتب إلى أنه "بدلا من اتخاذ خطوات، ولو كانت بطيئة، نحو إجراءات تقشف، فإنه يبدو يركز على المشاريع التافهة وتضخيم محفظته الشخصية، ومن المفترض أن يكون صندوق الاستثمار العام هو صندوق الثروة السيادي، لكن الأمير الذي يترأس مجلس إدارته يديره وكأنه عمله الخاص، وحصل في نيسان/ أبريل على 129 ميلا مربع من الأراضي الحكومية لمدينة رياضية ومدينة للملاهي، وفي شهر آب/ أغسطس أعلن الصندوق عن خطط لمنتجع سياحي أكبر من بلجيكا، وفي تشرين الأول/ أكتوبر كشف الأمير محمد، خلال مؤتمر عالمي، عن مدينة نيوم، وهي عبارة عن مدينة روبوتية، ستصل تكلفتها إلى 500 مليار دولار، ومرة أخرى كان صندوق الاستثمار العام هو الرائد".

ويقول بيلهام إن "قليلا من الأمراء ورجال الأعمال السعوديين تشجعوا على الاستثمار بسخاء في تلك المشاريع، حيث تعلموا من التجارب المرة، فكان العاهل السابق الملك عبدالله خطط لست مدن اقتصادية، بما في ذلك مدينة الملك عبدالله على البحر الأحمر، لكن بالرغم من تكلفة المشروع، وهي 27 مليار دولار، فإنه لا يتوقع الانتهاء منه قبل عام 2035، ولذلك رأى السعوديون قطيعا من الفيلة البيضاء المتزاحمة، فقرروا عدم الاستثمار". 

وينوه الكاتب إلى أن "ابن سلمان لجأ إلى الاعتقالات والاستيلاء على الأصول والابتزاز، وفي هذه العملية فإنه حوّل عائلة آل سعود، التي تشاركت في الثروة والسلطة واتخاذ القرار سابقا، إلى دولة من رجل واحد، وبدلا من تنويع مصادر الثروة فإنه يريد تركيزها في يده، وتم تحويل العديد من الأمراء الذين اعتقلوا في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من فندق الريتز كارلتون في الرياض إلى سجن ذي حماية مشددة، وتم سجن 11 أميرا آخر خلال هذا الشهر، مخيبا آمال من ظن أنه لن تكون هناك اعتقالات بعد اعتقالات تشرين الثاني/ نوفمبر".  

ويبين بيلهام أن "الأمير محمد لا يزال يأمل بالحصول على حوالي 100 مليار دولار من عملية التطهير، لكن ذلك المبلغ سيغطي فقط عجز ميزانية 2015، أو المبلغ الذي يأمل الحصول عليه من بيع 5% من شركة النفط السعودية (أرامكو). إن خططه لتحويل القطاع الخاص إلى محرك لاقتصاد المملكة في حالة من الفوضى، وبالرغم من العناوين المتعلقة باستثمارات (أمازون) و(آبل)، إلا أن السعوديين الأثرياء، الذين يفترض أن يكونوا من أوائل الناس لتشجيع ذلك، يبدو أنهم يفضلون الإبقاء على مدخراتهم".  

ويورد الكاتب أنه بحسب صندوق النقد الدولي، فإن الاقتصاد السعودي تراجع إلى حالة الركود بشكل أكثر حدة مما كان متوقعا في الربع الماضي، مشيرا إلى أن إجمالي الناتج المحلي تراجع بنسبة 0.7% عام 2017، وهو أكثر بكثير مما كان متوقعا قبل عملية التطهير، حيث كان يتوقع أن يحقق نموا قيمته 0.1% وأقل بشكل مقلق من النمو السكاني، الذي وصل إلى 2%.

ويذكر بيلهام أن ترتيب السعودية على مؤشر سهولة ممارسة الأعمال التجارية تراجع من 26 عام 2014 إلى 92 عام 2017، لافتا إلى أن البطالة تستمر في النمو، وذلك جزئيا بسبب دخول النساء إلى سوق العمالة، حيث كانت المملكة تضمن الوظيفة العامة "للسعوديين" لعقود. 

ويعلق الكاتب قائلا: "لكن لم يعد ذلك صحيحا، فكل عام يلتحق مئات الآلاف من الشباب إلى طابور الوظائف الحكومية، والقطاع الخاص ينقصه التطور بشكل كبير ليستطيع توفير وظائف إضافية، والأسعار ترتفع بسبب تخفيض الدعم عن السلع، وبسبب الضرائب الجديدة، ويتوقع الاقتصاديون أن تتضخم طبقة الفقراء السعوديين، التي تصل نسبتها حاليا إلى 20%".

 

ويفيد بيلهام بأنه "خوفا من مظاهرات على غرار ما حصل في إيران بسبب القلق الاقتصادي، فإن الأمير قام بتأخير بعض جوانب خطة التغيير حتى عام 2023، بما في ذلك الميزانية المتوازنة، بالإضافة إلى أن تخفيضه للبدلات، التي كان يحصل عليها الموظفون الحكوميون، تمت إعادتها بعد 7 أشهر تقريبا، ويتزايد التذمر بشأن الضرائب الجديدة وأسعار الوقود، ما أدى إلى قيام الحكومة بإعلان مساعدات إضافية بقيمة 13 مليار دولار، وتحديدا للطلاب والجيش". 

ويذهب الكاتب إلى أن "الخوف من المجهول يؤثر أيضا على آمال الأمير محمد في الحصول على تمويل، بالإضافة إلى أن هروب رؤوس الأموال، التي تقدر بثمانية مليارات دولار في الشهر عندما بدأت عملية التطهير، بدأت بالتراجع؛ وذلك خوفا من جذب انتباه الأمير، لكن الرغبة الأجنبية في شراء الأسهم في (أرامكو) قد تكون تأثرت بسبب الطبيعة الزئبقية لرئيسها، ولي العهد، ويتحدث المطلعون على شؤون الحكومة السعودية باستمرار عن تعويم أسهم شركة النفط الحكومية في سوق الرياض المالية (تداول)، بدلا من لندن أو نيويورك، أو أن يمنحوا المستثمر السعودي امتيازات خاصة، بالإضافة إلى أن بيعا مباشرا لشركات نفط حكومية صينية يذكر أيضا".  

ويقول بيلهام إنه "لاستعادة ثقة المستثمر، فإنه ينبغي على الأمير محمد أن يأخذ بعين الاعتبار عدة ضمانات، فعليه أن يستبدل عملية المحاسبة العائلية التي قام بها بعملية قضائية تلتزم بالقوانين، وتطبق على أبناء العائلة المالكة كما تنطبق على الناس العاديين، ويجب أن تكون لجنة الفساد، التي أعلن عنها عشية عملية التطهير، جهازا رقابيا يلتزم بالمعايير الدولية لإدارة الشركات، وليس مجلسه الخاص الذي يحابي في القواعد عندما يتعامل مع المقربين".  

 

وتشير الصحيفة إلى أن "المستثمرين والجيران يحبون قابلية التنبؤ بالمستقبل والاستقرار والثقة التي تأتي مع نظام ضبط سليم، فهذه العوامل الثلاثة هي التي جعلت دبي على ما هي عليه، وإن تم تنفيذ ذلك بشكل سليم، فسيرحب به المصرفيون، الذين يرغبون في الحصول على الديون أو الأرض من الأمراء الذين يتصرفون كبارونات السرقة".

 

ويرى الكاتب أن "ابن سلمان يحتاج أيضا المزيد من الشفافية، حيث تكون الكثير من تحقيقاته جيدة، فكان أبوه لعقود رئيس مجلس العائلة، ولديه المعلومات اللازمة عن أخطاء الأقارب، وكما قال المؤرخ العربي الكبير من العصور الوسطى ابن خلدون، إن لم تقم العائلات المالكة بعملية إصلاح بعد ثلاثة أجيال، فإنها تغامر بالانهيار".

ويجد بيلهام أن "الأمير محمد يحتاج أيضا إلى ثقل مؤسساتي، فلن يستطيع إخراج المملكة من الاعتماد على النفط، وإنشاء اقتصاد متعدد المصادر بمفرده، بالإضافة إلى أن فرق المستشارين الأجانب تنقصها البيروقراطية والقاعدة المحلية للعمل، وبدلا من تنفير كبار العائلة، الذين يملكون عقودا من الخبرة في الحصول على التمويل الدولي، فإنه يجب عليه أن يستثمر خبرتهم".

ويعتقد الكاتب أن "إنشاء مجلس شيوخ جديد يقلل من فرص قيام من يشعرون بأهميتهم بنسج حركة معارضة، بالإضافة إلى أن على الأمير أن يتصرف بكياسة بخصوص إنفاق الأموال، خاصة على الدفاع والأمن، حيث تشير الوثائق إلى أنه أنفق أكثر من الميزانية بنسبة 43% عام 2016". 

ويوضح بيلهام أن "الأمير محمد يقدم الحرية الشخصية بعيدا عن تجهم الشرطة الدينية إلى الآن؛ تعويضا عن الضرائب، لكن كما أدرك الملك السابق عبدالله بأن المزيد من الضرائب- سواء المباشرة أو غير المباشرة- ستتسبب بمطالب التمثيل الأوسع".

ويختم الكاتب مقاله بالقول إنه "يجب الترحيب بالمزيد من المساءلة، والتأكد من أن المبالغ التي حصل عليها الأمير من خلال عملية التطهير ستدخل مالية الدولة وليس حسابه الشخصي، وأنها ستؤدي إلى مملكة أكثر قابلية للبقاء".