سياسة عربية

صحيفة إسبانية: نظرة على الحياة تحت الأرض داخل أنفاق الغوطة

السوريون يضطرون للبقاء مع جثث أقاربهم في مكان واحد لأن شدة القصف تمنعهم من الخروج لدفنهم - رويترز

نشرت صحيفة "الكونفدنسيال" الإسبانية تقريرا سلطت من خلاله الضوء على الحصار الوحشي والهجمات المتتالية التي تتعرض لها منطقة الغوطة الشرقية جوا وبرا، ما أجبر السكان على البقاء محتجزين في مبان تحت الأرض في العتمة.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن حوالي 250 ساكنا يختبئون، لليوم العاشر على التوالي، في مخزن تحت الأرض على أرضية رطبة، هربا من حملة القصف الجوي التي يشنها النظام والطيران الروسي على المنطقة. وفي هذا السياق، صرحت إحدى المحتجزات التي تدعى مرام، في رسالة نصية من أحد أقبية جيب الغوطة في مدينة سقبا، حيث تعيش رفقة زوجها وأولادها: "نحن نقتات على كميات قليلة جدا من الطعام، دون ماء أو كهرباء، في انتظار ساعة الموت".

وبينت الصحيفة أن الغوطة الشرقية تمر بأكثر فترات الحرب مأساوية. ويؤكد عمال الإغاثة أن حوالي 4100 أسرة، أي ما يقارب 28 ألف شخص، يعيشون في هذه الملاجئ في مساحة لا تتجاوز مائة كيلومتر مربع، التي يفتقر نصفها إلى المياه ومرافق الصرف الصحي أو التهوية. ووفقا لمرام، "لم تتوقف التفجيرات ولو ليوم".

ويوم الثلاثاء، أمرت روسيا بفتح ممر إنساني وتنفيذ هدنة لمدة خمس ساعات يوميا، للسماح للسكان بمغادرة منطقة الغوطة الشرقية في سوريا. وخلال الهدنة المتفق عليها، أدت الهجمات المستمرة إلى وفاة شخصين على الأقل ما أجبر المدنيين على عدم مغادرة المواقع التي احتجزوا فيها على مر الأسبوع الماضي. ومن جهتها، أكدت مرام: "لا أحد سيغادر المكان لأننا لا نثق في النظام."

وأوردت الصحيفة أن مدينة الغوطة قد تحولت إلى هوس بالنسبة لبشار الأسد، الذي فرض حصارا لاإنسانيا على هذه المنطقة منذ سنة 2013، نظرا لأن هذه المنطقة الزراعية في شرق دمشق تمثل محور المعارضة منذ بداية الحرب في سوريا. ومنذ اندلاع الثورة سنة 2011، كان سكان الغوطة مركز التمرد بسبب الصعوبات الاقتصادية التي عانوا منها. كما تعد القيود المفروضة على دخول المساعدات الطبية والغذاء، إلى جانب منع إجلاء المرضى والجرحى، من الممارسات المفروضة على المنطقة منذ سنوات.

وأضافت الصحيفة أن هذه الأنفاق الأرضية لم تكن حلا كفيلا بحماية المدنيين من الهجمات؛ فقد سقطت قذيفة خلال نهاية الأسبوع على مكتب المنظمة الدولية "أنقذوا الأطفال"، التي يحتمي بمقرها تحت الأرض حوالي 46 أسرة.

 

وصرحت إحدى الناشطات بالمنظمات غير الحكومية في الغوطة، عبر الهاتف، التي ظلت لمدة تسعة أيام تحت الأرض: "نحن نعلم أننا مهددون بالموت هنا أيضا، لكننا في الآن نفسه نشعر أننا أكثر أمانا". كما أكدت الناشطة أنهم يضطرون أحيانا للبقاء مع جثث أقاربهم في نفس المكان لأن شدة القصف تمنعهم من الخروج لدفنهم.

ونقلت الصحيفة تصريحات الدكتور أبو الزهر، في اتصال هاتفي من مدينة زملكا بالغوطة، الذي أفاد بأن "المشكلة تكمن في أن معظم هذه الأماكن بعيدة عن أشعة الشمس وتفتقر إلى التهوية الجيدة، ناهيك عن أن درجات الرطوبة العالية قد تؤدي إلى انتقال الأمراض. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تدفئة هذه الطوابق السفلية بسبب نقص الوقود لتشغيل المواقد. كما تسبب الاكتظاظ الشديد في انتشار حالات العدوى مثل القمل والجرب والحساسية."

وأفادت الصحيفة بأن العديد من المنظمات الإنسانية الأخرى تحذر من سوء الأوضاع الطبية التي يعيشها الأشخاص القاطنون تحت الأرض، حيث تلد النساء في الظلام دون توفير المعدات الطبية اللازمة. وتظل مسألة نقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب، المشكلة الرئيسية بالنسبة للسوريين الذين ينتظرون وقف الهجوم. وفي هذا السياق، أوضح أبو عدي، وهو أحد العاملين بالمنظمات الإنسانية: "لقد قضينا يوما بأكمله في انتظار قدوم إمدادات الغذاء إلى الملجأ، وأحيانا نظل لمدة يومين دون تناول ولو لقمة واحدة."

وفي الختام، أشارت الصحيفة إلى أن التوصل إلى اتفاق عن طريق روسيا أو غيرها من القوى المتدخلة في الحرب، يبدو أمرا بعيد المنال. وبناء على ذلك، قالت مرام، شأنها شأن العديد من النساء في الغوطة اللاتي يخشين اعتقال أزواجهن وأطفالهن وأقاربهن من قبل القوات الحكومية: "لن أغادر من هنا دون زوجي، نحن نعلم أنهم سيقومون باعتقالهم وأخذهم للقتال في صفوف الجيش". ورغم الصعوبات، يعتزم سكان الغوطة مقاومة دمشق حتى النهاية.