كتاب عربي 21

العلاقات التركية العربية على ما يرام

1300x600
اتهم وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، تركيا بالتدخل في شؤون الدول العربية. وكتب في حسابه على موقع التواصل الاجتماعي الشهير، "تويتر"، أنه "لا يخفى على المراقب أن العلاقات العربية التركية ليست في أحسن حالاتها، ولعودة التوازن على أنقرة أن تراعي السيادة العربية وأن تتعامل مع جوارها بحكمة وعقلانية"، مضيفا أن "التعرض للدول العربية الرئيسية ودعم حركات مؤدلجة تسعى لتغيير الأنظمة بالعنف، لا يمثل توجها عقلانيا نحو الجوار، وأنقرة مطالبة بمراعاة سيادة الدول العربية واحترامها".

أحمد برات جونكار، النائب عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، في تصريحاته لموقع الجزيرة الإنجليزية، انتقد تغريدات قرقاش هذه، ووصفها بــ"المؤسفة"، لافتا إلى أن الوزير الإماراتي يمكن أن يتحدث فقط باسم البلد الذي يمثله، وأنه لا يحق له الحديث باسم العرب جميعا. وبعبارة أخرى، قال له بلغة دبلوماسية: "الزم حدودك".

النائب جونكار في تعليقه على تغريدات قرقاش اختار أسلوب الإيجاز، ولكني أحب أن أسلط الضوء على ما تحتويه تلك التغريدات من وقاحة وتضليل ومغالطات.

تركيا لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، لا العربية ولا غير العربية، بل تحترم سيادة جميع الدول واستقلاليتها. وهذا ما يؤكده القادة الأتراك في كل مناسبة، على رأسهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، الذي شدد في كلمة ألقاها، الأحد، خلال مؤتمر جماهيري لحزب العدالة والتنمية بمحافظة صقاريا شمال غربي البلاد، على أن تركيا لا تطمع بأراضي أي دولة وسيادتها، ولا تكنّ العداء لأي بلد جار أو أي بلد آخر.

إن كان الذي يقصده قرقاش وما يزعجه هو عملية غصن الزيتون التي أطلقها الجيش التركي بمشاركة الجيش السوري الحر لتطهير عفرين من الإرهابيين، فإن تركيا تجريها في إطار القانون الدولي لحماية حدودها وأمنها القومي. كما أن المتابع المنصف للعملية يرى بوضوح أن تركيا، ومعها أبناء تلك المنطقة من العرب والتركمان والكرد، تقاتل ضد منظمة إرهابية تسعى إلى تقسيم بلد عربي واقتطاع جزء منه بدعم خارجي.

سوريا الآن فيها روسيا وإيران والولايات المتحدة، بالإضافة إلى نظام قتل عشرات الآلاف من أبناء الشعب السوري العربي. ولو كان هناك نظام يحمي شعبه، ولا يسمح للإرهابيين باستخدام الأراضي السورية لتهديد أمن تركيا، لما اضطر الجيش التركي للتدخل.

ومن المضحك في تغريدات قرقاش، أنها صادرة عن وزير في دولة الإمارات التي تتدخل بشكل سافر في شؤون أكثر من دولة عربية، الأمر الذي يجعل تلك التصريحات كـ"محاضرة العاهرة عن الشرف".

يبدو أن قرقاش يرى أن الدول العربية هي فقط تلك التي تدور في فلك أبو ظبي، وإلا لما قال إن "العلاقات العربية التركية ليست في أحسن حالاتها"؛ لأن علاقات تركيا مع دول عربية، مثل قطر والسودان، على ما يرام. وكان أردوغان قبل أيام في الجزائر وموريتانيا. كما أن هناك تحسنا ملحوظا في علاقات أنقرة مع بغداد، ويدور الحديث حاليا حول عملية عسكرية مشتركة لطرد حزب العمال الكردستاني من شمال العراق.

كان الوزير الإماراتي سبق أن صرَّح في كانون الأول/ ديسمبر 2017، أن العالم العربي لن تقوده طهران أو أنقرة، على الرغم من أن تركيا ليست لديها أي رغبة في قيادة العالم العربي. بل كل ما تتمناه القيادة التركية أن تحكم الدول العربية حكومات عربية ينتخبها الشعوب العربية عبر صناديق الاقتراع. وهذا ما يخشاه بالضبط قرقاش وأمثاله؛ لأنهم يعرفون جيدا أن الشعوب العربية لن تنتخبهم على الإطلاق.

العرب، كبقية شعوب العالم، منهم الصالح والطالح، بل وهناك من قال الله فيهم: "الأعراب أشد كفرا ونفاقا". فمن الطبيعي جدا أن تختلف آراؤهم وتوجهاتهم ومواقفهم. ولا يمكن أن يحمل الجميع تجاه تركيا ذات المشاعر. ومع ذلك، لو أجريت دراسة شفافة ومحايدة في جميع أنحاء الوطن العربي؛ لكانت نسبة التعاطف مع تركيا أعلى بكثير من نسبة التعاطف مع الإمارات.