قضايا وآراء

الدور المنشود للمجتمع المدني الفلسطيني

1300x600

يعرّف المجتمع المدني بأنه مجموع المكونات التي تمارس الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي خارج موقع السلطة، وتشمل هذه المكونات الأحزاب والنقابات والجمعيات وجماعات المصالح ونحوها.

يتميز المجتمع المدني باستقلاله عن السلطة الحاكمة، وهو ما يقوي موقفه ويمنحه القدرة على أداء دور أقرب إلى نبض الناس وأشد التصاقاً بهمومهم، وأن يمارس دوراً رقابياً على أداء السلطات التنفيذية، فيقوّم اعوجاجها، ويعلي من حساسية أجهزة الإشعار المبكر؛ استباقاً لاحتمالات تمادي الأخطاء وتراكم بنية الفساد ومأسسته.

 

صورة مشوهة للمجتمع المدني كرستها المؤسسات المتضخمة بالتمويل الأجنبي المشروط، هذا النمط من المؤسسات ربط أجندة عمله وبرامجه بقيم الممول ومعاييره، وهو ما أضر بأصالة الرسالة الوطنية والقيمية

وبذلك، فإن رشد الأمم يقاس بفاعلية المكونات المجتمعية خارج دائرة السلطة وارتباطاتها وولاءاتها، فإذا قوي حضور المجتمع المدني كان ذلك ضماناً للحكم الرشيد وأماناً من أخطار التسلط والفساد.

ثمة صورة مشوهة للمجتمع المدني كرستها المؤسسات المتضخمة بالتمويل الأجنبي المشروط، هذا النمط من المؤسسات ربط أجندة عمله وبرامجه بقيم الممول ومعاييره، وهو ما أضر بأصالة الرسالة الوطنية والقيمية، فتجد تركيزاً على قضايا مثل الجندرة والمساواة والعنف ضد المرأة، في مقابل تغييب لقضايا أشد إلحاحاً، مثل بطالة الشباب والفقر والحرمان من السفر وبتر الأطراف بفعل مجازر الاحتلال. ربما تحتمل البرامج التي تنفذها هذه المؤسسات شيئاً من الوجاهة، لكن من الواضح تأثرها بمنظومة القيم التي تنتمي إليها الجهات الممولة أكثر من كونها نابعةً من أولويات الواقع الذي تعمل فيه هذه المؤسسات. وللسخرية، فقد علقت ذات مرة لافتة عريضة في شارع رئيس بغزة تدعو إلى تفعيل دور المرأة في عملية إعادة الإعمار، بينما إعادة الإعمار ذاتها لم تكن مفعلةً!

لا يمكن تصور قيام مجتمع مدني حقيقي دون ترسيخ ثقافة العمل التطوعي، فالعمل التطوعي هو الذي يمد المجتمع المدني بروحه ويمنحه شرعية وجوده، ويجذب إلى دائرته القطاعات الواسعة من الشباب والنشطاء الراغبين في فعل الخير والمبادرة الإيجابية، سواءً بالخدمة المادية المباشرة مثل مساعدة الجرحى والفقراء، أو الخدمات الثقافية والقانونية والسياسية ونحوها، فيشكل هؤلاء قوةً رافدةً للعمل الحكومي، ويساهمون في توزيع مراكز القوى منعاً للتسلط والاستفراد، أما اعتماد العمل الأهلي كلياً على التمويل وتقاضي الأجرة، فإنه يبهت روحه الثورية، ويضعف من استشعار الرسالة الأخلاقية تجاه المجتمع، ويحوله إلى مجموعة من الامتيازات التي يخشى خسارتها، ويقرب مكونات المجتمع المدني من دائرة السلطة أكثر، بينما يبعدها عن الالتصاق بهموم الناس الذين تمثلهم واستشعار احتياجاتهم وأولوياتهم.

 

العمل التطوعي هو الذي يمد المجتمع المدني بروحه ويمنحه شرعية وجوده، ويجذب إلى دائرته القطاعات الواسعة من الشباب


كان المجتمع المدني في فلسطين في الانتفاضة الأولى أكثر أصالةً؛ لأنه كان يقوم على فكرة لجان العمل التطوعي، وكان يرتب أولوياته وفق احتياجات الناس الناتجة عن واقع الاحتلال والشهداء والجرحى والأسرى، فكان ثمة قليل من التنظير عن الجندرة والحوكمة والحوسبة، لكن كان ثمة كثير من التكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء ومسح دموع الأرامل والأيتام. لكن مرحلة أوسلو لم تفسد النظام السياسي الفلسطيني وحسب، بل أفسدت البنى الاجتماعية، وعززت ارتهان مكونات المجتمع لاعتبارات الممول الأجنبي، فتحولت كثير من مؤسسات المجتمع المدني إلى حالة من النخبوية المنفصلة عن روح الشعب وقضيته، وصار الحديث في القضايا الوطنية وأسس المشكلة مصدر حرج لدى بعض مدراء المؤسسات، فتجدهم ينتقون كلماتهم حذرين من الاقتراب من الخطوط الحمراء أو إبداء رأي صريح يعالج جذر المشكلة؛ كي لا تتأثر مصالحهم وميزاتهم التي منحتها لهم وظائف المجتمع المدني.

في تعريفات المجتمع المدني، تُدرج الأحزاب بأنها إحدى مكوناته، لكن خصوصية الحالة الفلسطينية تخلق مبرراً لإيجاد خط تمايز بين الفصائل السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. فالفصائل هي مسلحة أولاً، وكذلك فإن طبيعة البنى التنظيمية في داخلها تحول هذه الفصائل إلى شكل من أشكال السلطة لها مصالحها الخاصة التي تحدد سلوكها في ضوئها وإن لم تكن في موقع الحكم، كذلك الهوية الأيديولوجية للفصائل تقلل من وضوح الطابع الحقوقي الأهلي لها.

 

مرحلة أوسلو لم تفسد النظام السياسي الفلسطيني وحسب، بل أفسدت البنى الاجتماعية، وعززت ارتهان مكونات المجتمع لاعتبارات الممول الأجنبي، فتحولت كثير من مؤسسات المجتمع المدني إلى حالة من النخبوية المنفصلة عن روح الشعب


يمكن القول إن الفصائل مرشحة للقيام بدور أهلي ريادي، لكن لا ينطبق عليها التعريف النموذجي للمجتمع المدني، وفي ضوء عدد من المشكلات الجادة التي تعاني منها البنية الفصائلية عموماً في الحالة الفلسطينية، ولعل أهم هذه المشكلات عدم دمقرطة هذه الفصائل، يظهر دور ملح للمجتمع المدني، وهو تقليل حالة الاستقطاب الفصائلي وتعزيز الدور الشعبي الحر.

ثمة دور إيجابي تؤديه الفصائل الفلسطينية، ومن غير الإنصاف نفي دورها الوطني والاجتماعي، سواءً في المحافظة على زخم القضية الوطنية أو في الاضطلاع بأدوار مجتمعية، مثل كفالة أهالي الشهداء والجرحى والأسرى.. هذا الدور موضع تقدير واحترام، لكنه دور بحاجة إلى إكمال، وهو تفعيل حالة شعبية حرة قادرة على التأثير دون أن تمر عبر قنوات التنظيم ومحدداته. فالفرد الذي ينتمي إلى التنظيم هو فرد معطاء، لكن عطاءه كثيراً ما تقيد عفويته؛ لأنه مسقوف بتقديرات قيادة التنظيم، وهو ما يفتح الأبواب أمام مخاطر تكون طبقة داخل التنظيم تمارس الاستفراد والاستئثار، وترهن حركة المجتمع الطبيعية لاعتباراتها الضيقة. ومع مرور الوقت تتحول مواقع القيادة في القوى السياسية إلى مواقع سلطة وهيمنة، فلا ترغب هذه القيادات بأن يزاحمها أحد في مواقعها. وبذلك تتضرر مفاهيم الديمقراطية وتستلب أدوار الأفراد وقدراتهم على المبادرة والتأثير، ويحرم المجتمع من ضخ دماء جديدة وأفكار جديدة، وتصبح القيادات السياسية أكثر عرضةً للابتزاز الخارجي.

 

الفرد الذي ينتمي إلى التنظيم هو فرد معطاء، لكن عطاءه كثيراً ما تقيد عفويته؛ لأنه مسقوف بتقديرات قيادة التنظيم، وهو ما يفتح الأبواب أمام مخاطر تكون طبقة داخل التنظيم تمارس الاستفراد والاستئثار


إن قوة القرار السياسي الفوقي تنبع من قوة التفاعل الداخلي، وجرأة الأفراد في طرح مبادراتهم وأداء أدوار فاعلة في الميدان السياسي والمجتمعي دون احتكار هذه الأدوار لفئات قليلة. هذا التفاعل الداخلي يسد أبواب الاستفراد أمام الطبقة السياسية، ويمثل رافعةً للسقف الوطني، ويخلق حالةً صحيةً في المجتمع تفكر بحرية وتبادر بعفوية، ويكون لها موقعها في صناعة القرار.

إن المؤهل لأداء هذا الدور الرافع للحالة الوطنية هو مجتمع مدني حقيقي تحرر من قيود التمويل الأجنبي المشروط، وحقق تمايزاً في الهوية عن الاستقطاب الفصائلي، وامتلك من وضوح الرسالة والقوة الثورية ما يمنحه قوةً دافعةً لتفعيل الطاقات الشعبية ودفع الحالة الوطنية باتجاه أكثر عدالةً وشفافيةً وديمقراطيةً.