مقالات مختارة

المهاجرون الذين فازوا بكأس العالم

1300x600

اثنان من الأهداف الأربعة التي مكنت فرنسا من الفوز ببطولة كأس العالم كانا بأقدام لاعبَين مسلمَين من أصول أفريقية، هما: كليان مبابي وبول بوغبا، وهو ما لم ينتبه له أغلب المتابعين المولعين بكرة القدم، كما لم تلتفت له الصحافة الفرنسية ولا الصحافة الغربية، بينما خرجت صحيفة عربية واحدة فقط بعنوان يقول: «المهاجرون فازوا بكأس العالم».

المنتخب الفرنسي الذي حصد بطولة كأس العالم وفاز باللقب، الذي تنافست عليه كل منتخبات الكون، يضم 23 لاعبا، من بينهم 16 لاعبا مهاجرا تعود أصولهم إلى الخارج، ما يعني أن أكثر من نصف اللاعبين هم مهاجرون جاؤوا إلى هذه البلاد من أماكن أخرى، وأصبحوا عناصر إيجابية مبدعة وناجحة، وحققوا للدول التي استضافتهم الكثير من الأشياء، وليس فقط بطولة كأس العالم.

حقيقة أنَّ أكثر من ثلثي لاعبي المنتخب الفرنسي مهاجرون، تعيد التذكير بعدد كبير من نجوم كرة القدم العرب الذين يلعبون في النوادي الأوروبية، ابتداء من زين الدين زيدان، الذي كان يلعب مع المنتخب الفرنسي سابقا، وليس انتهاء بالنجم والبطل الكروي الأشهر اليوم في بريطانيا المصري محمد صلاح الذي يلعب في صفوف نادي ليفربول الإنكليزي. هذه الحقائق المهمة لها جملة من الدلالات التي يتوجب الوقوف عندها وتسليط الضوء عليها: 

أولا: المهاجرون ليسوا دائما عبئا على البلاد التي تستضيفهم، بل ثمة شريحة واسعة منهم عبارة عن عناصر إيجابية مفيدة للمجتمعات الجديدة التي يندمجون فيها، فمن بين هؤلاء المهاجرين ومن بين أبنائهم علماء وخبراء وأطباء وأساتذة جامعات، إضافة إلى نجوم كرة القدم، وهو ما ينفي جملة وتفصيلا محاولات تصويرهم على أنهم «إرهابيون ودواعش ومتطرفون» أو القول بأنهم أبناء البيئة الحاضنة للجريمة والصراعات المجتمعية. 

ثانيا: الدول التي تفتح أبوابها أمام المهاجرين وتتبنى سياسات الانفتاح السياسي والاقتصادي وتعزيز مناخ الحريات (كما هو الحال في أوروبا) استفادت وتستفيد على مختلف النواحي والأصعدة من تدفق المهاجرين القادمين من الخارج، خاصة المؤهلين منهم، وهذا ما يدفع إلى القول بأن سياسات الدول العربية الطاردة، التي تُعمق تقييد إقامة الوافدين والأجانب، لا يمكن أن تأتي بالخير على البلاد، وإنما تتجه هذه الدول لخسارة الأيدي العاملة المؤهلة والماهرة، وخسارة العقول المفيدة للاقتصاد والمجتمع. وهنا تزداد التوقعات بأن الدول التي تتجه لمزيد من الانغلاق إنما هي تتجه لمزيد من الفشل في السنوات المقبلة.

ثالثا: البيئة الطاردة في العالم العربي كبدت الاقتصادات العربية والمجتمعات المحلية خسائر فادحة خلال السنوات الماضية، والمثال يبدو واضحا جليا في حالة النجم الكروي محمد صلاح، الذي يقول المصريون بأنه لم يجد مكانا له في أي من نوادي الدرجة الأولى في مصر، قبل أن ينضم إلى نادي ليفربول، الذي أصبح نجما في صفوفه، ثم أصبح نجم «الدوري الإنكليزي» بلا منازع.. ومثله الكثير في العالم العربي من المبدعين الذين بهجرتهم أصبحوا هم وبلدانهم معا ضحايا للبيئات الطاردة.

والخلاصة أن من المهم جدا تسليط الضوء على إنجازات المهاجرين في الدول الكبرى والحرة والمنفتحة مثل فرنسا، لأن إنجازات هؤلاء المهاجرين تكشف حجم «تكلفة الفرصة الضائعة» على بلدانهم الأصلية، هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى فهذه الإنجازات تكشف الوجه الآخر لهؤلاء المهاجرين، خاصة المسلمين منهم، فهم عناصر إيجابية بناءة في هذه البلدان، وهم جزء من هذه المجتمعات، وهم يحبون هذه الدول التي احتضنتهم وأعطتهم الحقوق التي افتقدوها في بلدانهم الأصلية، وعليه فهم ليسوا إرهابيين ولا دواعش، ولا هم أصحاب البيئات الحاضنة للتطرف والجريمة والعنف.. كل هذه الصورة النمطية ليست صحيحة.. هم بشر طبيعيون منهم الجيد ومنهم السيئ، ولا شيء غير ذلك.

القدس العربي