كتاب عربي 21

الطائرات التركية وقصة وجيهي حُركوش

1300x600
تعرض شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية "توساش" هذه الأيام، في معرض فارنبرة الدولي للطيران المقام في بريطانيا، طائرتها الهجومية الخفيفة "حُرجيت"، وطائرة "عنقاء" بدون طيار، ومروحية "تي625" ذات المحرك المزدوج، بالإضافة إلى مروحية "أتاك تي129" الهجومية.

تركيا تسير بخطى واثقة نحو الاعتماد الكلي على الصناعة المحلية في تسليح جيشها، وتعزيز قواتها الجوية، ورفع قدراتها بطائرات محلية الصنع، إلا أن الاهتمام التركي بالطيران وصناعة الطائرات ليس وليدة اليوم، بل يعود إلى النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي. وكان العالم التركي هزارفن أحمد تشلبي قد نجح في الطيران عام 1632، وقطع مسافة 3358 مترا في الجو باستخدام أجنحة اصطناعية، من سطح برج غلطة الشهير في الشطر الأوروبي إلى منطقة أسكودار الواقعة في الشطر الآسيوي لمدينة إسطنبول.
تركيا تسير بخطى واثقة نحو الاعتماد الكلي على الصناعة المحلية في تسليح جيشها، وتعزيز قواتها الجوية، ورفع قدراتها بطائرات محلية الصنع

قصة هزارفن أحمد تشلبي ليست الوحيدة في تاريخ الطيران التركي، بل هناك قصة أخرى مثيرة للغاية، ومؤلمة في الوقت نفسه، وهي قصة الطيار وجيهي حُركوش، الذي ولد في العهد العثماني وتوفي في العهد الجمهوري، وعاش ما بين عامي 1896 و1969 للميلاد. وهي قصة واقعية تحكي لنا كيف يتم دفن الابتكارات ومحاربة العقول في عالمنا لتبقى بلادنا محتاجة إلى الخارج.

اهتمام حُركوش بالطيران بدأ بعد مشاركته في حرب البلقان، وقرر أن يصبح طيارا بعد تأثره باستشهاد الطيارين التركيين فتحي بك وصادق بك عام 1914 بعد تحطم طائرتهما بالقرب من بحيرة طبريا. واضطر حُركوش للالتحاق بمدرسة الماكينة أولا لصغر سنه، وبعد تخرجه من المدرسة شارك في الحرب العالمية الأولى مهندسا للطائرات في جبهة بغداد، وبعد عودته إلى إسطنبول التحق بــ"مدرسة الطيارة" ليحقق حلمه، وتخرج منها طيارا، وقام بطيرانه الأول عام 1916. وبعد حوالي عام، شارك في الحرب في الجبهة القوقازية، ونجح في إسقاط طائرة روسية، ليصبح أول طيار تركي يسقط طائرة في تاريخ الطيران التركي. وخلال الحرب، سقط أسيرا بيد الروس، ولكنه نجح في الهروب بمساعدة الآذربيجانيين، وعاد إلى إسطنبول.

الطيار وجيهي حُركوش واجه صعوبات كثيرة في حياته، ووضعت السلطات أمامه عراقيل عديدة كي لا يصل إلى أهدافه، بدلا من أن تشجِّعه، وتكافئه، وتدعمه بكافة السبل لإنجاز مشاريعه. وأنتج أول طائرة تركية (Vecihi K-6) عام 1924، ليحلَّق بها عام 1925، ولكنه عوقب بحجة أنه قام بالتحليق دون أن يحصل على إذن من السلطات. واستأجر في منطقة كادي كوي بإسطنبول محلا، وقام هناك بإنشاء "أول طائرة مدنية تركية (Vecihi XIV) خلال ثلاثة أشهر، إلا أنه لم يستطع أن يحصل على شهادة "صلاحية الطيران"، بحجة أنه لا يوجد في وزارة الاقتصاد التركية مختصون في مجال الطيران، واضطر للسفر إلى تشيكوسلوفاكيا كي يحصل هناك على تلك الشهادة، فحصل.

حُركوش لم يكن يعرف الاستسلام، بل واصل مساعيه دون كلل أو ملل. وفتح أول مدرسة مدنية لتعليم الطيران عام 1932، وبدأ بتدريس 12 طالبا. وأرسلته "الجمعية الجوية التركية" عام 1937 إلى كلية الهندسة في ألمانيا لدراسة الهندسة، وتخرج منها عام 1939 ليعود إلى البلاد، ولكن السلطات التركية لم تمنحه شهادة بذريعة أنه لا يمكن التخرج من مدرسة الهندسة خلال سنتين. وأنشأ أول شركة خاصة للخطوط الجوية المدنية عام 1954، إلا أنه أغلقها بعد حوالي خمس سنوات، بسبب العراقيل البيرقراطية التي واجهها.
هذه الصفقة تشير إلى المستوى المتقدم الذي وصلت إليه الصناعة العسكرية التركية

تركيا اليوم تعيد الاعتبار للطيار وجيهي حُركوش. وأول طائرة تدريب محلية الصنع أطلق عليها "حُركوش"، وفاء لذاك الطيار وجهوده الحثيثة في خدمة الطيران التركي. وتعني كلمة "حُركوش" باللغة التركية "الطائر الحر". وتمت صناعة طائرة "حُركوش" وفقا لمعايير الهيئة الأوروبية للطيران المدني لطائرات التدريب. وبعد إنتاج "حُركوش" بنجاح، جاء مشروع إنتاج "حُرجيت"، أول طائرة نفاثة تدريبية. ومن المتوقع أن يتم تسليح عدد من تلك الطائرات لاستخدامها كطائرات هجومية خفيفة.

تركيا أبرمت قبل أيام صفقة عسكرية ضخمة، تحصل بموجبها باكستان على 30 مروحية من طراز "أتاك تي129". وهذه الصفقة تشير إلى المستوى المتقدم الذي وصلت إليه الصناعة العسكرية التركية، وتجعل الأتراك يفتخرون ببلادهم، ولكنها في الوقت نفسه تدعوهم إلى الترحم على من أفنوا حياتهم في خدمة الطيران التركي، على رأسهم هزرفان أحمد تشلبي ووجيهي حُركوش رحمهما الله.