كتاب عربي 21

آفة الأخبار رواتها

1300x600
"آفة الأخبار رواتها"، هذا ما أكده العرب منذ قرون خلت، وذلك عندما لاحظوا كيف يتغير أصل الكلام ومضمونه عبر النقل؛ إلى أن يصل إلى الناس مضخما أو منحرفا، أو حتى متناقضا تماما مع ما ورد في مصدره وجاء على لسان قائله. وهذه المسألة في غاية من الأهمية؛ لأنه يترتب عنها أشياء كثيرة بعضها قد يعرض أشخاصا لمخاطر قد تصل إلى تلويث السمعة، وأحيانا تؤدي إلى جعله عرضة للتعنيف وحتى الاغتيال. ولهذا السبب بذلت جهود ضخمة في العالم من أجل حماية الصحافة والصحفيين من الوقوع في هذه الهوة السحيقة التي من شأنها أن تضرب مصداقية الإعلامي، وتحوله من ناقل أمين للأخبار إلى مروج خطير للإشاعات والأكاذيب والمناورات الخبيثة وغير النزيهة.

قررت منذ فترة ألا أعود إلى مسألة تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الموجود حاليا بين أيدي رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ليقرر في شأنه ما يراه، ويتحمل مسؤولياته كاملة في ذلك. اتخذت ذلك القرار بعد الموجة الأولى من الردود، وأصدرت نصا شاملا في هذا الأمر، أعلنت فيه تحفظاتي على عدد من المسائل التي وردت في التقرير، ولا تلزمني ولا تعكس أفكاري وقناعاتي، ودافعت في المقابل عن جوانب أخرى أعتبرها وثيقة الصلة بحقوق الإنسان وبالحريات الفردية والمساواة، وهما قيمتا قرآنيتان لم يحظيا بالاهتمام الاستراتيجي لدى المؤمنين بهذا الدين. ولكن البعض يبدو أنهم لا يقرؤون، وأن حساباتهم الشخصية هي القاعدة التي ينطلقون منها للوصول إلى أهدافهم، واصلوا في ترويج أكاذيب رغم التوضيحات التي صدرت في أكثر من مكان. ولهذا تأتي كتاباتهم في هذا السياق غير مقيدة بمنهجية علمية أو أخلاقية، حيث يصبح كل شيء مباحا، بما في ذلك ترويج الأخبار الزائفة وتعريض من يعتبرونهم "خصوما" إلى النهش الجماعي، ظنا منهم أن ذلك من شأنه أن يساعدهم على التخلص منهم، وبالتالي تحقيق "انتصار عليهم بالضربة القاضية".

أهم أكذوبة راجت طيلة الأسابيع الماضية تتعلق بالقول بأن تقرير الحريات تضمن "تجريم الختان"، وأن كل من يقوم بهذه الشعيرة الإسلامية يجب مستقبلا فرض عقوبة السجن عليه بحجة أنه مارس التعذيب على ابنه. وقد كان لهذه الإشاعة فعل السحر، حيث أثرت على المزاج العام التونسي بطريق مدمرة في أوساط العموم. وبسرعة تم الاستناد على هذه الأكذوبة ليس فقط لتأليب الرأي العام على محتويات التقرير، وإنما لتحويل أعضاء لجنة الحريات إلى أشبة بـ"مجرمي الحرب" المبحوث عنهم في كل مكان من أجل عرضهم أمام محكمة الجنايات الدولية،  في حين أن المصلحة الوطنية والانتصال إلى الحقيقة يقتضيان الـتأسيس لحوار جدي ومسؤول وبناء!

أخطر داء تعاني منه المهنة الصحفية هو نقل الأخبار دون التأكد من صحتها. وأول ما يفعله الصحفي المهني والنزيه هو التأكد أولا من صحة الخبر الذي وصله، وذلك بالبحث عن مصادره، ومقارنتها ببعضها، وكذلك الاتصال مباشرة بالجهة الناقلة للخبر، وكذلك بالجهة المقابلة المعنية مباشرة بذلك الخبر. وبعد القيام بكل التحريات الضرورية، يقوم الصحفي بنشر الخبر مع محاولة صياغته بكل حيادية، وإن أراد أن يتخذ منه موقفا فعليه أن يفصل بين الخبر في ذاته وبين التعليق الذي هو حر فيه، لكن دون إدماجه ضمن صياغة الخبر المعني بالتعليق.

من بين مخاطر الإشاعة أنها، بالإضافة إلى كونها تشوه الحقيقة، ترسخ أيضا موقفا مناهضا يصبح من الصعب تكذيبه ونفيه. كما أن الإشاعة إذا اقترنت بسوء النية والرغبة في التحريض وتعميق منسوب الكراهية؛ فإنها تفتح الأبواب أمام العنف والانقسام والقطيعة الكاملة بين أفراد الشعب الواحد.

التعبير عن رفض أي مقترح حق أساسي من حقوق الإنسان. والتظاهر ضد أي مشروع أو وجهة نظر ممارسة ديمقراطية لا غبار عليها إذا ما التزم المشاركون فيها بالقانون، وتجنبوا العنف ورفعوا شعارات لا تحرض على التكفير والاحتراب. بل حتى الاستفتاء الشعبي الذي يطالب به البعض يعتبر صيغة من الصيغ بين الديمقراطية التي لا يمكن الاعتراض عليها من الناحية المبدئية؛ لكونها مدرجة ضمن وسائل الحسم الديمقراطي في الدستور التونسي، لكن يجب أن تترك كوسيلة نهائية يقع اللجوء إليها في حال عدم التوصل إلى توافق من شأنه أن يقرب وجهات النظر بين الفرقاء.

المهم أن يتأسس أي مسار من هذه المسارات على تجنب الأخبار غير الصحيحة، وثانيا عدم التحريض على الأشخاص والهيئات، وثالثا الاستعداد للاستماع والحوار البناء، ورابعا احترام المؤسسات وتفعيل دورها في حالات الاختلاف.

الكرة الآن في مرمى رئيس الجمهورية الذي التزم بالصمت رغم كونه صاحب المبادرة، ولا شك في أنه يرقب ما يجري، وأصبح مطلعا على مختلف الآراء والمواقف، وهو مطالب حاليا بتقديم اقتراحات عملية من شأنها أن تحد من الانقسام الحاصل، وتضبط التجاذبات السياسية والأيديولوجية العائدة بقوة حاليا إلى المشهد التونسي، دون أن يكون ذلك على حساب المبادئ، أيضا دون أن يعرض المصالح العليا للبلاد إلى الخطر. فتونس محكومة بأن تعيش سلسة من المخاضات الصعبة حتى تستعيد استقرارها على أسس صحيحة وضامنة للتعايش بين جميع مواطنيها مهما كانت أفكارهم واتجاهاتهم. المهم أن يحافظ التونسيون على حيويتهم، وأن يستمروا في مناقشة مصيرهم بشكل جماعية، وما يجري حاليا سيصبح غدا جزء لا يتجزأ من ذاكرة شعب له تاريخ وطموح، والقانون القرآني سيبقى يذكر الجميع "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ".

صدق الله العظيم..