كتاب عربي 21

حول خطورة القرار الأمريكي بخصوص الأنروا

1300x600
يبدو الرئيس الأمريكي وكأنه في سباق مع الزمن في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو بالأحرى في ما يتعلق بمسار تصفيتها. فبعد القرار الخطير بنقل سفارة بلاده إلى القدس بما يخالف عُرف الرئاسات الأمريكية منذ1995، قررت إدارته وقف دفع حصتها من تمويل وكالة "الأونروا".

الأونروا، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التي أسستها الأمم المتحدة لتقديم الدعم والعون للفلسطينيين في أعقاب النكبة بدأت عملها عام 1950، اتفق على الحفاظ عليها والتجديد لها طالما لم يتم التوصل لحل نهائي لمسألة اللاجئين الفلسطينيين. ولذلك، فللوكالة أهميتان، إحداهما اقتصادية إغاثية، مثل الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها المقدمة للاجئين الفلسطينيين، والثانية سياسية تاريخية؛ باعتبارها شاهدا على جذور القضية الفلسطينية وأسبابها من جهة، واستمرارها من جهة أخرى.
للوكالة أهميتان، إحداهما اقتصادية إغاثية، مثل الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها المقدمة للاجئين الفلسطينيين، والثانية سياسية تاريخية؛ باعتبارها شاهدا على جذور القضية الفلسطينية

ورغم المواقف الغربية من القضية الفلسطينية والعدو الصهيوني والرؤية الأمريكية والأوروبية للحل، إلا أنه من اللافت أن أكبر الداعمين والمساهمين في تمويل الوكالة هي الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، حيث تظهر الأرقام الخاصة بالعام الفائت (2017) وفق موقع الأونروا أن ميزانيتها بلغت مليارا و121 مليون دولار، ساهمت الولايات المتحدة وحدها بحوالي 364 مليونا منها (32 في المئة)، وحلت في المركز الأول بين المساهمين، فيما حل الاتحاد الأوروبي ثانيا بحوالي 142 مليون دولار، تتبعه كل من ألمانيا وبريطانيا والسويد والسعودية واليابان وسويسرا والنرويج وهولندا.

ولعل السبب في ذلك هو التحسب من النتائج المحتملة لوقف دعم الوكالة التي تقول بياناتها أنها تدعم حوالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في أكثر من بلد، رغم أن الوكالة عانت على مدى السنوات الأخيرة من تقليص مستمر وتدريجي في مساهمات تمويلها. كما أن المسار السياسي تناغم مع هذا التراجع التدريجي لدور الوكالة، بحيث غابت مصطلحات عودة اللاجئين و"القرار 194" لصالح مصطلحات "حل عادل للاجئين" ثم "حل متفق عليه" لهم، وهي مصطلحات مرشحة للتعديل السلبي وخفض السقف أكثر في كل حين.

وعليه، يمكن القول إن الإدارة الأمريكية تتماهى تماما مع المصالح والأهداف "الإسرائيلية"، من خلال "إزاحة" أهم ملفات القضية الفلسطينية وأكثرها حساسية من على طاولة المفاوضات بإنهائها أو إغلاقها. حصل ذلك في قرار نقل السفارة للقدس والاعتراف بالأخيرة عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، ويحصل الآن فيما يتعلق بالوكالة الدولية المختصة باللاجئين الفلسطينين. وعليه، يمكن فهم الخطوة الأمريكية ضمن ما سمي إعلاميا بصفقة القرن وجوهره مسار تصفية القضية الفلسطينية، بحيث يكون هناك حل ما، ليس حل الدولتين ولا أي حل يمكن أن يحقق الحد الأدنى مما يمكن أن يقبل به أي فلسطيني، وإنما حل "إسرائيلي" دون القدس ودون عودة للاجئين ودون سيادة بل دون دولة، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية تتعلق بالاحتلال إلى ملفات إنسانية يُتناول كل منها على حدة.
الإدارة الأمريكية تتماهى تماماً مع المصالح والأهداف "الإسرائيلية" من خلال "إزاحة" أهم ملفات القضية الفلسطينية وأكثرها حساسية من على طاولة المفاوضات بإنهائها أو إغلاقها

وهنا ينبغي تأكيد معنى قد يغيب أحيانا، وهو أن اللاجئين ليسوا مجرد "ملف" من الملفات أو أحد "قضايا الحل النهائي". فالقضية الفلسطينية في أصلها هي أرض محتلة وشعب شرد وطرد منها. وبالتالي، فاللاجئون هم نصف القضية الفلسطينية، وفق التقييم النوعي لا الكمي، وشطب حقهم في العودة هو شطب لنصف القضية الفلسطينية وإنكار لجذورها وأسبابها وتاريخها، فضلا عن النتائج الكارثية لذلك على واقع الفلسطينيين ومستقبلهم. لا يخفى أن هناك خططا أمريكية ودولية يتم الترويج لها منذ سنوات، تدور حول فكرة توطين الفلسطينيين في أماكن وجودهم، وإلغاء حقهم في العودة لبلدهم وقراهم ومدنهم، ويبدو أن القرار الأمريكي الأخير يصب في هذا الاتجاه.

وعليه، فقرار الإدارة الأمريكية بخصوص وكالة الأنروا له شقان، أحدهما اقتصادي يقلص من قدرة الوكالة على الإيفاء بالتزاماتها والقيام بعملها، إذ تؤمن واشنطن كما سبق حوالي ثلث ميزانيتها. والآخر، ولعله الأهم، سياسي متعلق بقضية اللجوء وحق العودة، إذ تضمن القرار الأمريكي "إعادة تعريف" للاجئ وحصره فقط بمن خرجوا من فلسطين من مواليدها، دون أن يسري ذلك على أبنائهم وأحفادهم، بما يعني إغلاق هذا الملف برمته قريبا جدا.
تضمن القرار الأمريكي "إعادة تعريف" للاجئ وحصره فقط بمن خرجوا من فلسطين من مواليدها، دون أن يسري ذلك على أبنائهم وأحفادهم

والحال كذلك، ما المطلوب فعله وما الواجب إنجازه؟

هناك ما ينبغي عمله فلسطينيا، وهناك ما يجب الإسراع فيه عربيا وإسلاميا ودوليا.

فلسطينيا، ينبغي التعامل مع المرحلة الجديدة من المشروع الصهيوني التي توجت بقانون القومية ويهودية الدولة، والتي تتناغم معها بشكل واضح الخطواتُ الأمريكية الأخيرة. الإصرار على مسار أوسلو والالتزامات الأمنية وسراب التفاوض ليس إلا إمعانا في إضعاف الفلسطينيين ومساهمة مباشرة - عن عمد أو دونه - في صفقة القرن ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية.

مطلوب من القيادة الفلسطينية أن تعمد سريعا لإصلاح البيت الداخلي الفلسطيني، من خلال مصالحة حقيقية والتوافق على مشروع نضالي جامع لكل قوى الشعب الفلسطيني لمواجهة المشروع الصهيوني، أو التنحي وترك المسؤولية لمن يقدر عليها ويرغب بها ومستعد لدفع أثمانها.

ومطلوب من الدول العربية والإسلامية، وحتى من أطراف أخرى مثل الاتحاد الأوروبي، مواجهة القرار الأمريكي في بُعْدَيْه الاقتصادي/المالي والسياسي. مطلوب أن تقدم هذه الدول على سد العجز الذي تركه القرار الأمريكي سريعا، وهو ليس مبلغا كبيرا، بل ورفع ميزانية الأونروا لتعود لأدوارها السابقة في خدمة ودعم اللاجئين الفلسطينيين. ومطلوب أيضا تأكيد تعريف اللاجئ وحقوقه وفي مقدمتها حق العودة كحق ثابت فرديا وجماعيا، وغير قابل للتصرف من قبل أي طرف بأي شكل من الأشكال وتحت أي ذريعة.
لم يعد مقبولا كذلك أن تبقى الدول الأكثر مساهمة في ميزانية الوكالة من غير الدول العربية والإسلامية

إن الدول العربية والإسلامية والدول الداعمة للفلسطينيين أمام اختبار حقيقي اليوم لإثبات رفضها للخطوات الأمريكية الكارثية على القضية الفلسطينية والمنطقة ومواجهتها عمليا. وسيكون الاجتماع الذي أعلنت تركيا عن عقده في أيلول/ سبتمبر الحالي، برعاية مشتركة من تركيا والأردن والسويد واليابان والاتحاد الأوروبي وبمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض العام للأونروا، محطة مهمة لإثبات الحضور والدور في هذه القضية الحساسة.

لم يعد مقبولا أن تبقى الوكالة، بما تمثله سياسيا وحقوقيا واقتصاديا، ملفا بيد الإدارة الأمريكية للضغط على الفلسطينين بدل أن تقوم بدورها في إغاثته وإعانته، ولم يعد مقبولا كذلك أن تبقى الدول الأكثر مساهمة في ميزانية الوكالة من غير الدول العربية والإسلامية، حيث لم يوجد منها في قائمة الدول العشر الأكثر مساهمة في تمويل الوكالة، إلا السعودية في المركز السادس وبميزانية 52 مليون دولار فقط، في حين كانت مساهمة كل من تركيا وقطر 6.7 مليون دولار ومليون دولار على التوالي، ولم تساهم كل من إندونيسيا وماليزيا والباكستان أبدا في ميزانيتها.

لقد حان الوقت لإثبات المواقف بالفعل، لا بالكلام فقط.