قضايا وآراء

لم ينته التوافق.. فقط تغيرت أطرافه

1300x600
فاجأ رئيس الجمهورية التونسيين حين أعلن في حوار تلفزيوني عن نهاية التوافق بينه وبين حركة النهضة، بطلب أو بسعي منها، كما قال الرئيس الباجي قايد السبسي. حركة النهضة ردت سريعا بالقول إنها لم تطلب إنهاء التوافق ولم تسع إلى إنهائه، وإنها ما زالت مؤمنة به، باعتباره الخيار الذي حمى الثورة التونسية من المصير الذي آلت إليه باقي ثورات الربيع العربي من حروب داخلية وانقلابات عسكرية.

ثورة الرئيس

بدا رئيس الجمهورية غاضبا في حواره على قناة الحوار التونسي (قناة خاصة) حين أعلن عن انتهاء التوافق بينه وبين حركة النهضة.. قال إن النهضة "نفضت يديها منه" وإنها هي من طلب إنهاء التوافق.. قال إنه تحمل الكثير من أجل إقرار التوافق ثم استمراره لمدة خمسة أعوام، منذ لقاء باريس الشهير في صيف العام 2013، وإنه خسر الكثير بسببه، إذ اعتبره قطاع واسع من ناخبيه أنه خانهم بتحالفه مع الإسلاميين.

لكن الحقيقة التي يعلمها جميع التونسيين أن رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي حين خرج من آخر لقاء بينه وبين رئيس الجمهورية، قبل أيام قليلة، وفي ساحة القصر الجمهوري، قبل أن يغادره، أعلن أن حركته متمسكة بالتوافق مع رئيس الجمهورية، وأن الحركة تقدر الرئيس عاليا. لكن الشيخ الغنوشي أعلن أيضا أن موقف حركته مع الاستقرار الحكومي، وأنه موقف ثابت ولم يتغير. ويبدو أن هنا يكمن بيت الداء، وأن هذا هو تحديدا ما أغضب رئيس الجمهورية، الذي يعمل منذ أشهر على إقالة رئيس الحكومة، وترفض النهضة أن تجاريه في ذلك، فبادر هو وليس النهضة إلى قطع حبل التوافق.

هل يريد الباجي توافق التبعية؟

حين كان السيد الباجي قايد السبسي رئيسا للحكومة التونسية عام 2011، بعيد الثورة، كان يردد في أكثر من مناسبة أنه لا يحكم إلا وحده، وأنه لا يقبل أن يشاركه في الحكم أحد.. ويبدو أن تلك العقلية راسخة في أعماق الرئيس.. وأن "تمرد" النهضة وعدم قبولها بتغيير رئيس الحكومة هو ما جعل الرئيس يقطع العلاقة معها، وليس طلب النهضة - كما قال قايد السبسي - هو ما أنهى التوافق.

يقول نهضاويون كثر إنه منذ انتخابات 2014 والنهضة تمشي في ركاب رئيس الجمهورية، لا تكاد ترفض له طلبا.. وهو أمر تسبب في توترات كثيرة داخل الحركة، حتى اعتبر الكثير من أبنائها التوافق توافق تبعية وإملاء من طرف واحد، هو رئيس الجمهورية وحزبه نداء تونس، وقبول وتنازل من طرف آخر هو حركة النهضة.

فالنهضة، كما يقولون، قبلت بحضور شكلي في الحكومات المتعاقبة ما بعد الانتخابات أو على الأقل دون وزنها الانتخابي، حتى إن حزبا له ثمانية نواب فقط في البرلمان (حزب آفاق تونس قبل أن يتشتت ويتشظى) حصل على مناصب وزارية في الحكومة أكثر من نصيب حركة النهضة التي لها 69 نائبا في البرلمان.. ويبدو أن ذلك كان يعجب الرئيس قايد السبسي.. فهو يحصل على تأييد سياسي من الحزب الثاني دون أن يقدم له الكثير في المقابل.

وبعد تشتت حزب النداء وانقساماته المتتالية صارت حركة النهضة هي الحزب الأول في البرلمان. ويسمح لها القانون بأن تطالب بأن يكون رئيس الحكومة من نصيبها.. لكن الحركة قدرت أوضاع البلاد السياسية وتوازناتها الهشة، كما تقول قيادات فيها، ورفضت أن تطالب باستلام أهم منصب في البلاد.

غير أن النهضة غيرت من سياستها في الأشهر الأخيرة، وخاصة بعد تصدرها الانتخابات البلدية بفارق كبير يفصلها عن باقي الأحزاب.. قالت إنها قدمت تنازلات كثيرة من قبل لصالح الوطن، وهي اليوم غير مستعدة لتقديم تنازلات إضافية، خاصة وأنها تنازلات تضر بالوطن.. قالت إن ثماني حكومات تداولت على السلطة بعد الثورة في 2011، وإن تغيير الحكومات لم يغير الواقع، وإن المطلوب اليوم تغيير الواقع لا تغيير الحكومات.. وهو أمر لم يعجب رئيس الجمهورية، الذي دخل في صراع مفتوح مع رئيس الحكومة، ويريد أن ينهي مشواره السياسي في أقرب وقت ممكن.

التوافق لم يمت.. تغيرت أطرافه فقط

إعلان رئيس الجمهورية انتهاء التوافق بينه وبين حركة النهضة لا يعني انتهاء التوافق السياسي كمبدأ تشاركي في إدارة الدولة، بعيدا عن الصراع.. فالتوافق باق.. أطرافه فقط تتغير.. ومركز الثقل السياسي الحزبي تزحزح وابتعد كثيرا عن مواقعه التقليدية.. مياه سياسية كثيرة جرت تحت الجسر.. لم يعد نداء تونس هو الحزب الأول في البرلمان.. بالعكس، صارت كتلة الحزب البرلمانية هي الكتلة الثالثة بعد كتلة حركة النهضة (69 نائبا برلمانيا) وكتلة الائتلاف الوطني الداعمة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد (نحو 50 نائبا)، ثم تأتي كتلة حزب نداء تونس (نحو 40 نائبا).

صار التوافق اليوم من دون "شيخين".. ربما تجاوز الأشخاص إلى الكتل.. أضحى بين كتلتين كبيرتين، كتلة حركة النهضة، وكتلة الائتلاف الوطني، وهي خليط من أحزاب ونواب من مشارب سياسية مختلفة تلتقي على دعم رئيس الحكومة وبقائه في السلطة.. إنه توافق جديد هش يقوم على إيصال البلاد إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد سنة من الآن.. وعلى أساس الخارطة السياسية الجديدة سيتشكل المشهد السياسي القادم توافقا حاكما أم حزبا يحكم وآخر يعارض.

الرئيس والتوريث واحتراق الأوراق

لم يخرج رئيس الجمهورية من حواره الأخير مع قناة الحوار التونسي بإعلانه نهاية التوافق فقط.. خرج بانطباع واسع لدى الجمهور العريض مثلما لدى المراقبين بأن الرجل متمسك بتوريث السلطة لابنه حافظ قايد السبسي.. رفض الرئيس إدانة ابنه، رغم إلحاح المذيعة المحاورة له في مرات كثيرة.. رفض أن يوجه لابنه نصيحة سياسية بالابتعاد عن الحزب، حتى يستعيد الحزب عافيته ويلملم صفوفه.

خرج الرئيس من حواره بانطباع واسع أيضا لدى المراقبين والجمهور كذلك بأن الرجل لا حيلة له في حل المشكل مع رئيس الحكومة.. ظهر عاجزا ومن دون أوراق لعب سياسية في يده.. اكتفى بتوجيه النصح لرئيس الحكومة بأن يذهب للبرلمان لأخذ التزكية.. لم يجد إلا نصيحة يعلم قبل غيره أن رئيس الحكومة لن يأخذ بها.

رغم كل ذلك لا يمكن الحكم من الآن بانتهاء الرئيس وعجزه.. فالرجل صاحب خبرة سياسية طويلة.. وقد يقلب الطاولة على خصومه في أية لحظة.. لكن ما يظهر حتى الآن من أوراق السياسة الظاهرة أن الرجل سينهي عهدته الرئاسية شبه معزول.. أنهى توافقه مع النهضة.. وتمرد عليه ابنه الروحي رئيس الحكومة.. وعجز ابنه البيولوجي عن أن يملأ مكانه في حزبه.. ووصل به الأمر إلى أن واحدة من نواب حزبه السابقين باتت تطالب بسحب الثقة منه.. قالت هاجر بالشيخ علي: "نحن أمام خرق جسيم للدستور.. الرئيس لم يعد الضامن للوحدة الوطنية".. "كنت أتحدث في نطاق ضيق عن سحب الثقة منه.. اليوم أقولها في العلن".