مقالات مختارة

الدولة القومية وجدليّة "من هو اليهودي؟"

1300x600

إسرائيل دولة قامت على الفكرة الصهيونية المنادية بإنشاء «وطن قومي للشعب اليهودي» بينما اليهود أنفسهم شعوب وقبائل بثقافات وأعراق ولغات وعادات مختلفة لا يوحد بينهم إلا الدين اليهودي الذي يناقض المرجعية العلمانية لما تدعيه إسرائيل. ووفقاً للمعطيات والمؤشرات المتداولة فإنّ المشهد الديني في إسرائيل يتغيّر تدريجيّاً، إذ إنّ نسبة السكان الذين يعرّفون أنفسهم كيهود تنخفض عموماً، وفي الوقت الذي تبرز فيه التصدّعات الاجتماعية في إسرائيل، وعلى رأسها التصدّعات الدينية، وذلك بسبب التنوع السكاني الكبير: اليهود، المسلمون، المسيحيون، والدروز، ودون ديانة، وكذلك بسببٍ إقرار ما يسمى قانون القومية الذي يُعتبر اعتداء على الآخرين وانتقاصاً من حقوقهم، وبخاصة أبناء الوطن الأصليين.


وعلى رغم إقرار ما يسمى «قانون القومية» من قبل الكنيست الإسرائيلي انطلاقاً من ربط اليهودية بمفهوم القومية، فإن مسألة جدلية وتعريف «من هو يهودي»، قائمة حتى اليوم في إسرائيل، حيث لم تُحسم بعد ولن تُحسم قريباً، وتُشير مصادر الى أن نحو ربع المهاجرين الذين قدموا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ليسوا يهوداً، وأن مسألة التأكد من يهودية أي شخص باتت مستعصية في إسرائيل يوماً بعد يوم مع موجات من الأفارقة الذين وصلوا الى اسرائيل أيضاً خلال العشرين عاماً الأخيرة. فضلاً عن وجود نتوءات عدة فاقعة باتت تقض مضاجع أصحاب قانون القومية، أبرزها، أولاً: مكانة المواطنين العرب الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة عام 1948 وهم أصحاب الوطن الأصليين، وثانياً، جدلية الدين والدولة وقضايا الأحوال الشخصية وقوانينها. وثالثاً، عدم وجود دستور للدولة... وغيره. وتُحاول الدولة الإسرائيلية حتى الآن التعويض عن غياب الدستور فيها بما يسمى قوانين أساسية وهي 11 قانوناً تُعتبر أكثر أهمية وسطوة من القوانين العادية، حيث ينص قانون الأساس على تعريف دولة إسرائيل بأنها «دولة يهودية وديموقراطية». وجاء ذلك التعريف بعد نقاش في الكنيست قبل أكثر من ربع قرن مضى، واختلفت الأحزاب الصهيونية بين عبارة «دولة يهودية» أو «دولة الشعب اليهودي» وكان القرار خلال التصويت على القانون عام 1985 البند السابع/أ على «دولة يهودية» ذات طابع ديني وقومي معاً وفق تفسير أصحاب الاقتراح، تذكيراً بما قاله بن غوريون قبل عقود «بأن دولة الكيان هي دولة اليهود أينما كانوا».

ويتفق معظم اليهود، من جميع الأطياف الدينية، على مبدأ أن «إسرائيل يمكنها أن تكون دولة ديمقراطية ويهودية في الوقت ذاته». ولكنهم يختلفون حول ماذا ينبغي أن يحدث، في الواقع، إذا كان اتخاذ القرارات الديمقراطية يتعارض مع قوانين الشريعة اليهودية.


تدعي الأغلبية العظمى من اليهود العلمانيين أنّه يجب إعطاء الأفضلية للمبادئ الديمقراطية أكثر من القوانين الدينية، بينما نسبة كبيرة مماثلة من اليهود الحريديين (المتدينين) يقولون إنّه يجب إعطاء الأفضلية للقوانين الدينية.


مسألة ما يسمى قانون القومية، وربط اليهودية كدين في مفهوم القومية، ومقولة «الشعب اليهودي» تلقى معارضة حتى عند العديد من الفئات اليهودية داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تتم مواجهتها من قبل بعض المؤرخين الإسرائيليين (الجدد)، ومنهم البروفيسور شلومو ساند أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب الذي نَشَرَ كتاباً بداية عام 2009 تحت عنوان «كيف اخترع الشعب اليهودي» بالعبرية وتُرجِمَ إلى الفرنسية، وفيه يعتبر أن «فكرة الشعب اليهودي أو القومية اليهودية التي بنيت على أساسها الصهيونية وإنشاء دولة إسرائيل، هي أسطورة اخترعت منذ نحو قرن واحد». معتبراً في الوقت ذاته «أن الأسس التي أقيم عليها الكيان أيضاً بيت من كرتون».


في هذا السياق، وعند الحديث عن قانون القومية، وعن مقولة الشعب اليهودي، علينا أن نستذكر كيف أن هذه الدولة قتلت مواطنيها، ففي تشرين الأول (أكتوبر) 2001، شكلت لجنة أور للنظر بما حصل من قتل مواطنين عرب في الجليل هبوا لنصرة أبناء شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبقي تقرير (لجنة أور) على رفوف المكتبات. وكانت حكومة شارون في حينه أقامت بعد ذلك (لجنة لبيد) التي فحصت سبل تطبيق توصيات (لجنة أور) لكن توصياتها لفظت أنفاسها مبكرة. وفي هذا الصدد يقول ليئاف اورجاد أستاذ القانون والباحث الضيف في جامعة هارفرد في مقال له نشر بعد 8 أعوام من استشهاد المواطنين العرب في الجليل أثناء هبة نجدة الانتفاضة «لا يوجد لإسرائيل سياسة أقليات متسقة بخلاف أكثر الدول القومية في العالم. فالعلاقة بعرب إسرائيل سطحية ومرتجلة ومقلقة». ويطالب اورجاد بالاعتراف بالعرب داخل مناطق 1948 باعتبارهم قومية.

 

عن جريدة الحياة اللندنية