كتاب عربي 21

فاسد في نفسه، مُفسد لغيره

1300x600

سمعت العبارة التي اتخذت منها عنوانا لهذا المقال، لأول مرة في المرحلة الثانوية، عندما سجلها مشرف على صف دراسي في مدرستنا الثانوية، كملاحظة في أسفل ورقة نتيجة امتحانات نهاية عام دراسي، لطالب كان متفلتا وعابثا باللوائح والنظم المرعية، ونجح في استقطاب ثلة من الطلاب لأنشطته العابثة.

 

في ظل الطفرة في تكنولوجيا التواصل والتراسل، فإن المنظمات الفاشية والنازية الأمريكية صارت أكثر حذرا في إبراز عضلاتها خوف الملاحقة الأمنية

ودونالد ترامب فاسد في نفسه مفسد لغيره، لأنه وبحكم مسمى وظيفته الفخيم، علم في رأسه نار شديدة الضرام، عظيمة الشر والشرر، ولم تعد الحرائق التي يتسبب فيها محصورة في دهاليز الحكم في واشنطن، بل امتدت إلى جميع الولايات، ثم عبرت الحدود إلى قارات أخرى.

حينما يصبح الاستعلاء العرقي سياسة يروج لها شاغل أكبر منصب سياسي تنفيذي على وجه الأرض، فمن البديهي أن يطرب لذلك من كانوا ينادون قبل مجيئه على بعض استحياء، بأن تصبح الولايات المتحدة دولة خالصة للبيض، بل وأن يصبح بياض البشرة أيديولوجية للقوميين المهووسين، وأن تتكاثر جماعات الكره للمسلمين وشعوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأن يغذي فيها ترامب تلك النعرات بمدحها وعدم إدانة تجاوزاتها.

الإستعلاء العرقي

منذ تنصيب ترامب رئيسا في مطلع عام 2017، ارتفع عدد منظمات النازيين الجدد من 99 إلى 121، وتم تشكيل 114 منظمة جديدة قضيتها الوحيدة محاربة الإسلام والمسلمين على الأراضي الأمريكية، وبلغ من تطرف هذه الجماعات، أنها باتت تعتبر منظمة كوكلاكس كلان ذات التاريخ الطويل في تعذيب وتقتيل السود، منظمة "يسارية ليبرالية" رخوة، فانفضوا عنها لينشئوا تنظيمات أكثر تطرفا وراديكالية، ولأن لكل فعل رد فعل، فقد قوبل تنامي أعداد منظمات الاستعلاء العرقي "البيضاء"، بارتفاع عدد منظمات الدفاع عن السود الأمريكيين من 190 إلى 223 خلال تلك الفترة.

وفي ظل الطفرة في تكنولوجيا التواصل والتراسل، فإن المنظمات الفاشية والنازية الأمريكية صارت أكثر حذرا في إبراز عضلاتها خوف الملاحقة الأمنية، ويقول المركز القانوني الجنوبي للفقر (الأمريكي)، إن عدد المنظمات التي تحض على معاداة غير البيض وغير المسيحيين (بعض تلك المنظمات يضع اليهود ومثليي الجنس في مرتبة واحدة مع السود والسمر والمسلمين)؛ ارتفع إلى 954، بانضمام مائة منظمة عنصرية إلى القائمة خلال الاثني عشر شهرا الماضية، وصارت جميعها تتخذ من خطب ترامب وتغريداته ذخيرة لكسب عضوية جديدة.

تنظيم عنصري
 
في الثاني عشر من آب/ أغسطس الماضي، نظم تنظيم عنصري يحمل اسم "وحِّدوا اليمين/ يونايت ذا رايت"، تظاهرة في مدينة تشارلوتسفيل الأمريكية، رافعا شعارات عدائية ضد السود والمهاجرين والمسلمين، وما حفزهم على التظاهر هو قرار حكومة ولاية فرجينيا إزالة تمثال للجنرال روبرت لي، الذي خاض معارك ضارية رافضا ضم الولاية للولايات المتحدة، ونظم آخرون تظاهرة عفوية مناوئة لها، فما كان من أعضاء ذلك التنظيم إلا أن وجدوها فرصة للكشف عن معادنهم وفكرهم، ومارسوا عنفا أهوج دونته مضابط الشرطة وكاميرات التلفزيون، ولكن ترامب رفض في عناد إدانة أولئك العنصريين، ما عنى أنه يبارك نهجهم.

وبلغ من إعجاب منظمات الاستعلاء الأمريكية بترامب أن بعضها قرر أن ينحو منحاه فيعتبر النساء كائنات أقل شأنا و"إنسانية" من الرجال، فقد صدرت عن ترامب تصريحات متكررة، مؤداها أن النساء خلقن لإمتاع رجال مثله "سحرهم لا يقاوم"، وأنهن من يتحرشن بالرجال لمجرد كونهن يمتلكن مفاتن مثيرة، والمنظمة الأجهر صوتا في هذا المجال هي "صوت الرجال/ فويس أوف من"، ويجلس على رأسها الأستاذ الجامعي (في علم النفس) بول إيلام، ولديه برنامج إذاعي ينتظره الآلاف ليستمتعوا بالكلام عن تفوق الرجل الأبيض على جميع الأجناس الأخرى، وحتى النساء البيضاوات.

وبعد أن فضحه ورفسه حصانه/ لسانه مرارا، كف ترامب عن وصف البلدان الأخرى خارج القارة الأوروبية صراحة بأنها "حُفَر فضلات بشرية"، واتهام المكسيكيين بأنهم مجبولون على تعاطي المخدرات واغتصاب النساء، ووصم المسلمين بأنهم خطر على الأمن الأمريكي، وخرج بشعار "أمريكا أولا"، الذي لا يختلف عن شعارات القوميين هنا وهناك، لمداراة تعصبهم لعرق يعتبرونه فوق الأعراق الأخرى.

وعلى ساحة الشرق الأوسط رأينا كيف يمكن أن تكون "القومية" مطية للديكتاتورية، ولك  من مقتضيات الإنصاف أن نقول إن القومية العربية طرحت أول ما طرحت، كترياق مضاد للفكر السياسي الغربي، في زمن كان فيه الغرب ينوء بكلكل على معظم دول المنطقة، فكانت صرخة تدعو للتحرر والوحدة، تمهيدا للتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

ثم صار الفيروس الترامبي عابرا للقارات، وتشهد المجر وبولندا وبلجيكا صعودا مقلقا لأحزاب يمينية متطرفة، واختار البرازيليون رئيسا يمينيا فاشستيا هو ميشيل إلياس تامر (والداه من قضاء الكورة شمال لبنان، وما زالت جيناته الشرق أوسطية نشطة، فقد تزوج حتى الآن ثلاث مرات، وزوجته الحالية ملكة جمال سابقة، تصغره بست وأربعين سنة)، والذي قال خلال حملته الانتخابية إن ترامب هو مثله الأعلى، وإن تعذيب معارضي الحكومة أمر لا غضاضة فيه، وإن التغير المناخي إشاعة مغرضة.

ورجل يحكم حوض الأمازون، الذي يعتبر الرئة التي تتنفس منها الكرة الأرضية، ويعتقد أن التخلص من غاباته لكسب مزيد من الأراضي الصالحة للزراعة، مكسب للاقتصاد البرازيلي ولا عليه أن ذلك سيؤدي إلى انخفاض حصة بني البشر من الأوكسجين؛ رجل كهذا خطر على بلاده وعلى البلدان الأخرى، تماما كما أن ترامب فاسد في نفسه مفسد لغيره.

 

إقرأ أيضا: موجة "الفاشية" الترامبية