مقالات مختارة

براءة من صهاينة العرب

1300x600

يُعدّ القرار الذي أصدرته مجلة “كل العرب” المصرية بطرد الصحفي خالد سعد زغلول، بسبب قيامه بزيارة الكيان الصهيوني منذ أيام في إطار وفد إعلامي عربي يضمّ سبعة مُهرولين، أحدَ المؤشرات الواضحة على فشل عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، لاسيما على الصعيد الشعبي والنخبة المثقفة.


مصر تقيم علاقات دبلوماسية مع الاحتلال منذ قرابة أربعين سنة. وخلال هذه المدة الطويلة، حاول بعض مثقفي البلاط تسويق التطبيع، والزعمَ بأنه سيعود بفائدة على مصر واقتصادها ورخاء شعبها، ومارس هؤلاء المستلَبون حملات غسل دماغ واسعة لإقناع المصريين بجدوى التطبيع، لكن النتيجة تجلّت عقب نجاح ثورة 11 يناير 2011؛ إذ حاول آلاف المتظاهرين الغاضبين من الجرائم الصهيونية في حقّ الفلسطينيين المستضعَفين، اقتحام السفارة المصرية بالقاهرة في أيلول/سبتمبر 2011 والفتك بسلكها الديبلوماسي، ولولا أن طائرة عمودية قامت آنذاك بإنقاذ السفير وموظفي السفارة، لقتلهم المتظاهرون ضربا.


ولا ننسى في هذا المقام، طرد نواب البرلمان المصري للإعلامي المارق توفيق عكاشة وإنهاء عضويته تماما؛ لأنه دعا السفيرَ الصهيوني إلى حفل عشاء.


ومنذ أشهر، قامت قناة مصرية بتقديم حصة كاميرا مخفية ظهر فيها مصريّ، تظاهرَ بأنه سائح صهيوني زار بلدهم، وطلب من المصريين أن يدلّوه على بعض المواقع السياحية، فرفض أغلبُهم التعامل معه وشتمه آخرون وعيّروه بجرائم الاحتلال ضد أطفال غزة.


وفي الأردن، لا يختلف الوضعُ كثيرا منذ اتفاق وادي عربة سنة 1994 إلى الآن؛ إذ لا يزال الشعب الأردني يتظاهر ضد التطبيع كلما سمحت له الفرصة، ومنذ أسابيع فقط تظاهر ضد اتفاق الغاز الصهيوني- الأردني؛ لأنه يُعدّ تمويلا للاحتلال لشراء المزيد من الأسلحة الأمريكية لقتل الفلسطينيين، فضلا عن كونه غازا مسروقا من فلسطين، ولا يجوز مساعدة الاحتلال على تسويقه.


كلُّ هذه المؤشرات وغيرها كثيرٌ، تؤكّد أن الشعوب العربية والكثير من مثقفيها الأحرار الذين يرفضون شراء ذممهم، هم ضدّ التطبيع مع الاحتلال والإقرار بـ”شرعية” استيلائه على فلسطين، ولن يتغيّر موقفُهم هذا مهما طال الزمن، وحاولت أنظمة التطبيع العلني والسري الترويجَ له، بأسماء برّاقة، وسيبقى حبيسَ القصور الفاخرة وقاعات التحرير المأجورة.


حتى الذباب الإلكتروني الخليجي الذي أصبح يروّج للتطبيع بكل حقارة وبلا أيّ خجل، تساوُقا مع الهرْوَلة الجديدة لأنظمتهم باتجاه الاحتلال؛ استعدادا لإقامة علاقات دبلوماسية معه، واتخاذه “صديقا” و”حليفا” جديدا ضد إيران.. هذا الذباب لن ينجح في تزييف وعي الشعوب الخليجية؛ وحينما يحصحص الحقّ ويمكن لهذه الشعوب المقموعة أن تجهر بصوتها بحرّية يوما ما، فلن تتردّد في رفض التطبيع وبيع فلسطين وإدارة الظهر لقبلة المسلمين الأولى لحماية عروش حكامهم، فإذا كانت سياسة كبت الأنفاس قد أخافت هذه الشعوب الآن وأجبرتها على السكوت، فلن يستمرّ الوضعُ على حاله إلى يوم يُبعثون.


أخيرا، نذكّر هؤلاء المهرولين الذين فقدوا كل شعور بالأنفة والكرامة، بمقولة رفائيل إيتان، قائد هيئة الأركان العامة بالجيش الصهيوني، وأحد جزّاري مذبحة صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها 15 ألف فلسطيني في لبنان عام 1982؛ إذ قال في مقابلة مع “نيويورك تايمز” في 14 نيسان/أبريل الماضي: “عندما نقوم باستيطان الأرض، فإن كلّ ما يستطيع العربُ القيامَ به سيكون الهرْوَلة مثل الصراصير المخدَّرة في زجاجة”!

 

عن صحيفة الشروق الجزائرية