قضايا وآراء

إيران وطالبان: التقاء اللحظة أم وئام بعد خصام؟!

1300x600
يقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل: "ليس هناك صديق دائم وعدو دائم في السياسة: وإنما توجد مصالح دائمة"، تفرض كلمتها أولا وأخيرا. هذه المقولة تنطبق اليوم على العلاقات بين طهران وحركة طالبان الأفغانية؛ الموصوفة بالإرهابية حتى وقت قريب في الأدبيات الإيرانية.

إنها كانت علاقات عدائية بامتياز لسنوات طويلة، لكنها بدأت تطرأ عليها تطورات هامة منذ سنوات قليلة، إلى أن أصبحت تتخذ مسارا مختلفا عما كان عليه سابقا.

حسابات قديمة

يحدث هذا التطور، بينما طهران كانت داعما رئيسا لتحالف الشمال الأفغاني ضد حركة طالبان؛ التي كانت تتبنى سياسة عدائية متشددة ضد إيران، أظهرتها بوضوح عندما هاجمت القنصلية الإيرانية في مزار شريف أثناء الهجوم على المدينة عام 1998، وقتلت 10 دبلوماسيين إيرانيين.

وكانت تشكل سيطرة طالبان على أفغانستان مصدر قلق لدى إيران، لذلك تنفست الأخيرة الصعداء عندما سقطت سلطة الحركة عام 2001، فضلا عن دوافع طالبان الفكرية في معاداة إيران، كما كانت تشكل علاقات الأخيرة التاريخية مع قيادات تحالف الشمال ودعمهما ضد الحركة؛ عاملا إضافيا في هذا العداء.

تكتسب أفغانستان أهمية قصوى في السياسة الإيرانية لاعتبارات وحسابات استراتيجية وجيواستراتيجية بالغة الأهمية، وبالذات الاعتبار الأمني الذي لعب دورا بارزا خلال العقود الماضية، حيث أن أوضاع هذه الجارة الشرقية لها ارتداداتها على الأمن القومي الإيراني بسبب حدود مشتركة تمتد على مسافة 936 كيلومترا.

تلك الاعتبارات لعبت دورا أساسيا في رسم طبيعة العلاقات بين إيران وطالبان، سواء في حقبة العداء أو ما بعدها، حينما اتخذت منحى آخر لعوامل عديدة، أهمها أن طالبان، نتيجة لظروف موضوعية وتحولات في أفكارها وسياساتها، أصبحت تنظر بواقعية أكثر إلى القضايا الداخلية والخارجية. كما أن طهران لم تعد تنظر إلى الحركة بمثابة خطر على أمنها القومي.

مصالح مشتركة

تلك الأسباب سهلت فهم وجود مصالح مشتركة ومساحات رمادية؛ أنهت عقبة العداء وأسست لمرحلة جديدة في العلاقات. يأتي في مقدمة تلك المصالح، العداء المشترك للولايات المتحدة الأمريكية، الذي أحدث هذه الاستدارة في العلاقات الثنائية، وبات يفتح آفاقا للتعاون والعمل المشترك.

هنا إيران مزجت بين الثورية والبراغماتية في انتهاج سياسة جديدة مع حركة طالبان، فمن جهة، أنها تحركت نحو العلاقة مع الحركة من منطقات ثورية، تدفعها للعمل مع كل من يعادي الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تجاوزت ببراغماتية تلك الحقبة العدائية وتعقيداتها.

في هذا السياق، نشأت العلاقات بين إيران وطالبان قبل عشر سنوات تقريبا، وهي ليست جديدة كما تقول بعض المصادر، وإنما الجديد هو الكشف عن تلك العلاقات رسميا هذه الأيام، بعد أن تحدث عنها الأدميرال علي شمخاني، أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الأعلى، بشكل صريح خلال زيارته أفغانستان في آخر أيام 2018، بالقول إن إيران لها علاقة مع طالبان، وذلك بعلم الحكومة الأفغانية.

ثم بعد ذلك قال بهرام قاسمي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2018، إن وفدا من حركة طالبان الأفغانية وصل إيران لإجراء مباحثات حول مفاوضات السلام بين الحكومة الأفغانية والحركة؛ التي أكدت بعد يومين في بيان هذه الزيارة، معلنة أن وفدها بحث مع الإيرانيين "مرحلة ما بعد انتهاء الاحتلال وإعادة إحلال السلام والأمن في أفغانستان والمنطقة".

لا يبدو أن أسباب ومضامين هذه الزيارات واللقاءات تقتصر على ما أعلنه الجانبان فحسب، ثم إن العامل الأمريكي لم يعد المحرك الوحيد لهذه العلاقات، وإنما هناك عوامل أخرى ومتغيرات مستجدة؛ ليست أقل أهمية باتت تلعب دورا مهما في تعزيزها.

متغيرات جديدة

أحد هذه العوامل المقلقة والمستعجلة هو تعاظم قوة داعش في أفغانستان خلال العام الأخير، ومحاولاته الرامية إلى إنشاء ولاية خراسان، ما يشكل خطرا على حركة طالبان من جهة، والأمن القومي الإيراني من جهة أخرى، ما يستدعي العمل المشترك لمواجهة التنظيم.

وفي هذا السياق، لدى الصين وروسيا القلق نفسه، ما دفع الأخيرة باتجاه فتح قنوات التواصل مع حركة طالبان خلال الفترة الماضية، لكن بسبب الحساسية التاريخية للأفغان تجاه الروس، هم بحاجة لإيران وعلاقاتها مع الحركة في هذا الأمر، ما يعني أن المصالح الإيرانية الروسية بدأت تتشابك أيضا على الساحة الأفغانية.

كما أن دخول العاملين السعودي والإماراتي على خط التفاوض بين طالبان والأمريكان، واستضافة أبو ظبي لمفاوضات بين الطرفين خلال الفترة الماضية، يؤكد أن صراع المحاور الإقليمية بات ينتقل إلى مرحلة جديدة في أفغانستان.

هذه الاستضافة لا تستهدف سحب ملف المفاوضات من قطر فحسب، وإنما النفوذ الإيراني في أفغانستان أيضا في دائرة الاستهداف، لذلك على الأغلب ستحاول طهران الرد على ذلك بتعزيز علاقاتها مع طالبان، وربما ذلك كان وراء الكشف رسميا عن وجود هذه العلاقات.

إلى جانب ما سبق ذكره، فإن طالبان اليوم باتت رقما صعبا في أفغانستان؛ يصعب على القوى الإقليمية والدولية تجاوزه، وخاصة بعد صعود داعش في الآونة الأخيرة، ومحاولات هذه القوى امتلاك مزيد من الأوراق في مواجهة بعضها البعض.