قضايا وآراء

مؤتمر وارسو ضد إيران وصفقة القرن

1300x600

مع بداية العام الميلادي الجديد، أصبحت الإدارة الأمريكية تصعّد ضد إيران بشكل لافت، ما يوحي بأن عام 2019 يحمل الكثير من المستجدات في الصراع الدائر بين الطرفين. يظهر هذا التصعيد فيما تمخض عن جولة شرق أوسطية لوزير خارجية الأمريكي مايك بومبيو الشهر الجاري، حملت عنوانا رئيسا، وهو تدشين مرحلة جديدة في المواجهة مع إيران، عبر بناء تحالفات إقليمية وتنظيم مؤتمرات دولية.

وكشف الوزير الأمريكي في كلمته بالجامعة الأمريكية في القاهرة، في العاشر من هذا الشهر، عن التوجه الأكثر عدائيا لبلده خلال المرحلة المقبلة تجاه طهران. ويمكن وصف الكلمة بخطاب الحرب، فقد ذكر فيها إيران 31 مرة خلال 30 دقيقة، أي بمعدل مرة واحدة لكل دقيقة تقريبا، ثم أعقب ذلك بالدعوة إلى تنظيم مؤتمر مناهض لإيران في بولندا، في 13 و14 من شباط/ فبراير القادم.

بيد أن الجامعة الأمريكية في القاهرة تحولت إلى منبر أمريكي للإعلان عن سياسات واشنطن تجاه طهران. ففي عام 2009 أيضا، انطلق الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في خطبته الشهيرة بالجامعة نفسها، نحو مرحلة مختلفة في العلاقات مع إيران، عبر الاعتراف بضلوع بلاده في الانقلاب على الحكومة الإيرانية المنتخبة عام 1953، وتبنى فيها لغة ناعمة، ترجمها لاحقا في دبلوماسية التفاوض، وصولا إلى الاتفاق النووي عام 2015.

التحالف الإقليمي الذي قال بومبيو إن بلاده تنوي تأسيسه لمواجهة إيران، هو أصلا موجود، وتم إنشاؤه من قبل، ولا جديد في هذا الصدد، إذ تم تمرير هذا المشروع تحت لافتة "إيرانوفوبيا"، والهدف الأساسي من ذلك كان التطبيع مع الكيان الإسرائيلي قبل أي شيء آخر.

 

التحالف الإقليمي الذي قال بومبيو إن بلاده تنوي تأسيسه لمواجهة إيران، هو أصلا موجود، وتم إنشاؤه من قبل، ولا جديد في هذا الصدد

أما المؤتمر الدولي الذي دعا إلى تنظيمه وزير الخارجية الأمريكي في بولندا، يمثل العنوان الأبرز في التصعيد الأمريكي الحالي ضد إيران، وهو يأتي بعد ثلاثة أشهر من دخول المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية "الشاملة" التي قالت واشنطن إنها ستكون "الأقسى في التاريخ".

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية انتبهت مؤخرا إلى أن استراتيجية "الضغوط القصوى" التي تنفذها في مواجهة إيران بأدوات اقتصادية، تفتقر إلى عنصر أساسي، دونه لا يمكن لهذه الاستراتيجية أن تؤتي أكلها كما تشتهي واشنطن؛ هذا العنصر ليس إلا تشكيل إجماع عالمي تستهدف الإدارة الأمريكية إيجاده في مؤتمر وارسو.

إلا أنه ليس مضمونا أن ينجح الرئيس ترامب في خلق هذا الاجماع في هذا التوقيت، ما دامت إيران باقية في الاتفاق النووي، وتلتزم بتعهداتها بموجب الاتفاق وفقا لـ13 تقرير أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى اليوم.

 

ليس مضمونا أن ينجح الرئيس ترامب في خلق هذا الاجماع في هذا التوقيت، ما دامت إيران باقية في الاتفاق النووي

أما في حال انسحبت طهران من هذه الاتفاقية، وهو ما تبتغيه وتنتظره الإدارة الأمريكية، فيمكن اعتبار تشكيل هذا الاجماع بأنه تحصيل حاصل، لكن في الوقت الحاضر، وبالرغم من اختراقات أمريكية في المواقف الأوروبية تجاه إيران، تمثلت في تعرض الأخيرة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي، هي الأولى من نوعها بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، ما زالت أوروبا غير مستعدة للمسايرة الكاملة للولايات المتحدة في سياساتها ضد طهران.

وعليه، بات مفهوما تردد قوى أوروبية، ورئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي "فيدريكا موغريني"، في المشاركة بالمؤتمر، كما أنها ليست واضحة بعد الدول التي سوف تشارك فيه، وسط رفض قوى دولية كروسيا، ما يشكل تحديا للإدارة الأمريكية في الوصول إلى كافة الأهداف التي تصبو إلى تحقيقها من وراء مؤتمر وارسو.

المسألة الأخرى التي ينبغي الانتباه لها، أن تنظيم المؤتمر لا يأتي فقط في سياق الصراع الإيراني الأمريكي، وإنما له غاية أخرى ربما تكون الأكثر أهمية في هذا التوقيت، وهي الوصول بالتطبيع بين الدول العربية والكيان الإسرائيلي إلى مرحلة متقدمة جدا، تكسر كل المحرمات السابقة تحت طائلة "الشماعة الإيرانية"، من خلال ظهور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزراء خارجية عرب كتفا إلى كتف في صورة واحدة.

 

تنظيم المؤتمر لا يأتي فقط في سياق الصراع الإيراني الأمريكي، وإنما له غاية أخرى ربما تكون الأكثر أهمية في هذا التوقيت، وهي الوصول بالتطبيع بين الدول العربية والكيان الإسرائيلي

ولعنوان "السلام والأمن في الشرق الأوسط" الذي اختير لمؤتمر وارسو؛ دلالة كافية في هذا الاتجاه الذي يريد الراعي الأمريكي أن يوجه المؤتمر نحوه، والذي يأتي استكمالا لمراحل تنفيذ صفقة القرن قبل أن تتم إزاحة الستار عنها.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن السياسة التصعيدية التي تتبعها إدارة ترامب ضد إيران، تأتي أيضا في إطار تطبيق صفقة القرن، مستهدفة خلق نظام إقليمي جديد، تكون لإسرائيل اليد العليا فيه، بعد أن يحدث تطبيع كامل بين إسرائيل ودول عربية وازنة، وضرب كافة القوى التي تشكل خطرا في طريق تنفيذ هذه الصفقة.

ثم لا نغفل أن الإدارة الأمريكية، بينما تعاني في سياستها الداخلية أزمة التعطيل الحكومي منذ شهر تقريبا، تتبع هذا النهج التصعيدي ضد إيران وسياسة خارجية نشطة في هذا الخصوص، ما يوحي بأن هذه الإدارة قد تحاول من خلال ذلك تصدير الأزمة إلى الخارج، واسترضاء الجمهوريين واللوبي الإسرائيلي وحشدهم في مواجهة المعارضين في الداخل.

خلاصة القول أن مؤتمر وارسو الأمريكي يستهدف ضرب عدة عصافير بحجر واحد، منها خلق إجماع عالمي ضد إيران، والانتقال إلى مرحلة جديدة في الضغوط، وإيصال التطبيع مع إسرائيل إلى مرحلته الأخيرة، وتحقيق مآرب أخرى.