قضايا وآراء

إنهم يكرهون بغداد ويتنافسون على تخريبها!

1300x600

يحتدم التنافس بين الجماعات والكتل والأحزاب الشيعية على الأمانة العامة للعاصمة بغداد، ويسعى كل طرف على الاستحواذ على منصب (الأمين) الذي يبيض ملايين الدولارات سنويا، ويبرز في هذا المضمار معسكر عمار الحكيم ومقتدى الصدر، الذي يقاتل لتعيين عبدالحسين عبطان أميناً للعاصمة، وكل مؤهلات الأخير أنه من أتباع آل الحكيم واشتغل عندهم طوال سنوات لجوئه في إيران، ولا يملك شهادة مدرسية معترف بها، والذين كانوا يزورون طهران ويلتقون مع محمد باقر الحكيم وشقيقه عبدالعزيز، يعرفونه جيداً ويتذكرون خدماته.

وواضح أن عمار الحكيم وهو يريد ضم أمانة بغداد إلى إقطاعيته الكبيرة بعد أن نجح في الاستحواذ على وزارة النقل وصارت من حصته، أنه يتطلع إلى تنويع موارده وتوسيع استثماراته، فهو حوت لا يشبع ولا يستحي ايضاً، خصوصا عندما ادعى في لقاء تلفزيوني شهير (انه فقير جداً وضعيفُ حال، حيث لا وظيفة عندي ولا مال) في دجل مفضوح لتغطية استيلائه على ممتلكات له في حي (الجادرية) الذي تحول الى مقاطعة خاصة به ومقفلة على عائلته، وآخر (إنجازاته) بهذا الصدد عشرة دوانم (25 الف متر مربع) في الحي الراقي وعلى الشط مباشرة.

 

إقرأ أيضا: بعد سخرية عارمة.. الجعفري يوضح قصة سرجون الأكدي وبغداد

وبالتأكيد فإن حصول عمار على أمانة بغداد، سيوفر له سيولة نقدية من العمولات والمقاولات، خاصة وأن موازنتها الجديدة للعام الحالي تبلغ ملياري دولار، ويضمن له أيضاً فرصاً ذهبية للحصول على المزيد من الأراضي الحكومية والمنشآت البلدية والمرافق الخدمية وكراجات السيارات، بعد أن تحولت هذه المؤسسة التي عمرّت بغداد وحافظت على جمالها على امتداد أكثر من ثمانين عاما، إلى وكر يعّج بسرّاق المال العام من مسؤولين فاسدين ومقاولين فضائيين، بعد أن تسلط على إدارتها عقب الاحتلال خليط من أتباع آل الحكيم وحزب الدعوة والتيار الصدري، تنافسوا على تخريب بغداد وأجهزوا على البقية الباقية من شوارعها السريعة وأنفاقها الرحبة وجسورها الأنيقة وأسواقها العصرية، أما مجمعاتها السكنية الحديثة فقد استولى عليها أصحاب السلطة من رؤساء ووزراء ونواب وقادة ومسؤولين كبار وانتفعوا بها وما يزالون.

لقد صارت بغداد تحت حكم الأحزاب الشيعية مدينة تأتي ضمن أسوأ المدن في العالم كما تشير احصائيات المنظمات الدولية المتخصصة في تقييم عواصم الدول، لكثرة تلول النفايات والمجاري الطافحة والمستنقعات الراكدة والشوارع المخسوفة والأرصفة المتكسرة ومياه الشرب الملوثة وغياب الخدمات وفقدان الأمن والأمان فيها، وضاعت جهود جبارة بذلها أمناؤها السابقون وأبرزهم: عبدالمجيد حسن ومدحت الحاج سري وإبراهيم محمد إسماعيل وسمير الشيخلي، الذين تركوا بصماتهم الحضارية عليها، عبر نصف قرن مضى.

 

 

صارت بغداد تحت حكم الأحزاب الشيعية مدينة تأتي ضمن أسوأ المدن في العالم كما تشير إحصائيات المنظمات الدولية المتخصصة


ولأن المرجعيات والكتل الشيعية تكره بغداد عقائديا وتأريخياً وتعتبرها مدينة عدوّة، وأكثر من جسّد هذه الحقيقة المغيبة هو:  النائب عمار طعمة الذي كان أقبحهم تعبيراً عن تلك العقيدة الباطنية الخبيثة، عندما شتم بغداد علناً وسبّ مؤسسها ولعن خلفاءها وسخر من نهضتها بعالي صوته في البرلمان، فقد أصر أقطاب الشيعة في مرحلة ما بعد الاحتلال، على أن يكون جميع أمناء العاصمة من الوافدين إليها أو طارئين عليها، مع أن دار السلام تزخر بأبناء العوائل والبيوتات الشيعية العريقة منذ العهد العباسي، وكثير منهم مثقفون ومهندسون ومبدعون وقادرون على إدارتها بإخلاص ونزاهة، ولكنهم في المناهج غير المعلنة لأحزاب السلطة (شيعة غير ملتزمين) والالتزام من وجهة نظر هذه الأحزاب يعني أنهم لا يخضعون للعقيدة الشيعية ولا يقلدون مرجعاً ولا يلطمون في شهر محرم، ولا يدفعون زكاة (الخمس) إلى الحوزات، ولا يطبخون (هريسة) الحسين، ولا يهتفون (ماكو ولي إلا علي).

 


إقرأ أيضا: معهد واشنطن: ما هي تفاصيل نفوذ إيران بالعراق وخلفياته؟

وثمة حادثة لها دلالة جرت في آب (أغسطس) 2005 عنما أرسل عبدالعزيز الحكيم مئة عنصر من مليشيا (بدر) وكانت تحت إمرته قبل أن يستقل بها هادي العامري عقب وفاته، يقودهم حسبن الطحان وكان أحد قياديي المجلس الأعلى، واقتادوا أمين بغداد وقتئذ علاء التميمي من مكتبه الرسمي بالقوة، وأجبروه على الاستقالة.


وقد ذهب وفد يمثل عشيرة تميم بعد أسبوع من الحادثة إلى مقابلة الحكيم لمعاتبته وإبلاغه بان علاء التميمي، (ابن حمولة) وشيعي وبغدادي ومهندس ومدير عام سابق وغير بعثي، فلماذا لا تريده؟ فرد عبدالعزيز على الوفد بصلافة قائلا: انه ليس من (شيعتنا) فلا تدافعوا عنه، ولا تنسوا أنه كان مديراً عاماً في عهد صدام !.

نقول هذا ليس دفاعاً عن التميمي، وإنما لبيان كيف تفكر الأحزاب الشيعية وكيف تخطط؟

وقد وضح أن كراهية الحركات الشيعية لبغداد، تستند إلى أحداث تاريخية مزيفة تحفل بها كتبها ومصادرها القديمة، ومنها خطبة منسوبة إلى الامام علي عليه السلام، رواها الفقيه الشيعي يوسف المطهر الحلي الملقب بـ (سديد الدين) وهو والد العلامة والمرجع الأعلى الحسن الحلي، بعد مرور ستمئة عام على استشهاد الإمام، في معرض ترحيبه بالغازي هولاكو الذي كان يعسكر بقواته خارج بغداد ويتأهب لاحتلالها في عام 1258، وهي منشورة في أحد مصادر الشيعة كتاب (إقبال الأعمال) لابن طوس، حيث تقول الرواية إن هولاكو سأل الفقيه الشيعي ومن معه، كيف قدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل ان تعلموا بما ينتهي اليه أمري وأمر صاحبكم، ويعني الخليفة المستعصم ؟ فأجابه الحلي أقدمنا على ذلك لأننا روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال في خطبة:

الزوراء وما أدراك ما الزوراء، أرض ذات أثل، يُشيد فيها البنيان، ويكثرُ فيها السكان، ويكون فيها مخادم وخزّان، يتخذها ولدُ العباس موطناً، ولزخرفهم مسكناً، تكون لهم دارُ لهوٍ ولعبْ، ويكون فيها الجورُ الجائر، والخوفُ المخيف، والأئمةُ الفجرة، والأمراءُ الفسقة، والوزراءُ الخونة، يخدمهم أبناءُ فارس والروم، لا يأتمرون بمعروفٍ إذا عرفوه، ولا يتناهون عن المنكرِ إذا أنكروه، تكفي الرجالُ منهم بالرجال، والنساءُ بالنساء، فعند ذلك الغمُ العميم، والبكاءُ الطويل، والويلُ والعويلُ لأهلِ بغداد من سطواتِ التُركْ، وهم قوم صغارُ الحدُق، وجوههم كالمجانِ المطوّقة، لباسُهم الحديدْ، جرد مرد، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم، جهوري الصوت، قوي الصولة، عالي الهمة، لا يمر بمدينة الا وفتحها، ولا تُرفع عليه راية الا نكّسها،الويل الويل لمن ناواه.

ويا حسن العلوي البغدادي الكرادي..الذي بكى على سيدّة المدن في آخر لقاءاته التلفزيونية ودعا إلى إنصافها، كفكف دموعك واحبس حسراتك، فقد ذهب زمانكم أيها البغادّة، وجاءكم من يدعي أنه من (السادة) وتعاقب على أمانة الرصافة والكرخ من كانوا يستحمون مرة في السـنة، من عبعوبها وصابرها وصولاً إلى ابن عبطنة!