مقالات مختارة

استقرار الجزائر أولوية فرنسية

1300x600

موقف فرنسا مما يحصل حاليا في الجزائر ملفت من حيث التحفظ والسكوت إزاء الغضب الشعبي لترشيح بوتفليقة، في حين أن الوسط السياسي المسؤول يتابع عن كثب ما يجري، فالطبقة السياسية في فرنسا وفي الطليعة رئيسها إيمانويل ماكرون على علم بتفاصيل الوضع الصحي للرئيس الجزائري، الذي تم ترشيحه لفترة رئاسية خامسة وهو موجود في جنيف للعلاج. والكل يعرف أن بوتفليقة لم يعد يستطيع أن يحكم بسبب تدهور حاله الصحية، وهو ليس فقط مقعدا، لكنه لا يلتقي أحدا من زوار البلد، ولا يمكنه الظهور أمام شعبه.

والكل مدرك أيضا أن من يحكم الجزائر حاليا شلة تسميها الأوساط الجزائرية بانها «المافيا السياسية المالية» مع بضعة عسكريين ليسوا من العسكريين القدامى الذين أحالهم بوتفليقة حين تسلم الرئاسة على التقاعد. وهذه الشلة من العسكريين ورجال الأعمال تلعب دورا سياسيا مع شقيق بوتفليقة سعيد وهي لم تتمكن من الاتفاق على مرشح آخر، ما أدى إلى غضب الشعب المطالب بنهاية نظام فاسد لم يعط للشباب الجزائري فرص عمل أو مستقبل واعد في بلد غني هدرت ثروته لمصلحة هذه الشلة.

والرئيس الفرنسي الذي يتابع عن كثب الوضع الجزائري طلب من سفيره في الجزائر أن يأتي إلى باريس لوضعه في صورة الوضع. ويعتبر والسفير الفرنسي في الجزائر من الدبلوماسيين القلائل الذين عينوا مرة ثانية في ذلك البلد. وسبب تحفظ فرنسا وحذرها من أي تصريح يشير إلى تدخل معين هو التاريخ بين البلدين الذي جعل العلاقة الفرنسية الجزائرية بالغة الحساسية، فكثيرا ما يتهم الجزائريين سلطة وشعبا فرنسا بانها أساس عدد من مشاكلهم، كما أنه يسود في الجزائر منطق المؤامرة الآتية من فرنسا تجاه الكثير مما يحصل أو حتى في التعيينات. فأي تدخل فرنسي تجاه التظاهرات الحالية سيكون بمثابة «مؤامرة فرنسية».

واقع الحال أن استقرار الجزائر هو أولوية للمسؤولين الفرنسيين لكون الجزائر بلدا جارا لفرنسا، واذا حدث زعزعة في الاستقرار فهناك الملايين من الجزائريين المستعدين للقدوم إلى فرنسا. ولنتذكر الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك إلى صديقه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بعد الهزة الأرضية التي ضربت الجزائر، كانت هتافات الشعب الجزائري إلى شيراك عندما جال مع بوتفليقة في حي باب الواد «شيراك فيزا فيزا» أي صرخة لطلب تأشيرات إلى فرنسا.

تربط الجزائر بفرنسا علاقة حب وكراهية، فالشعب الجزائري يشكك بكل نوايا الفرنسيين، لكنه أول ما يطمح إليه هو زيارة فرنسا وقراءة الصحف الفرنسية ومشاهدة محطات التلفزيون الفرنسي وتناول الطعام الفرنسي والأجبان الفرنسية، حتى انهم الآن اصبحوا يتطلعون إلى تظاهرات السترات الصفر في فرنسا ويستوحون منها. وشك أن استقرار الجزائر أساسي لفرنسا، لكن باريس مدركة أن العسكر الجزائري شريك أساسي معها في مكافحة الإرهاب في مالي والنيجر وليبيا. وفرنسا مهتمة بالحفاظ على العلاقة الثنائية مع جارتها، فالجزائر مزود مهم لفرنسا بالغاز الطبيعي كما أنها تشتري الكثير من فرنسا. واهم من ذلك كله التخوف الفرنسي من الإسلاميين المتطرفين الذين تم «تخديرهم» عندما تسلم بوتفليقة الرئاسة واجرى ما يسمى بالمصالحة الوطنية، فبإمكان هؤلاء أن يلتحقوا بتحرك الشباب والاستفادة منه للتخريب وزعزعة الاستقرار. هناك في فرنسا أكثر من مليوني فرنسي من اصل جزائري من أجيال مختلفة، والجالية التي اندمجت كليا في المجتمع الفرنسي تتابع وتهتم بما يجري في بلدها الأصلي. الأخطر أن هنالك إرهابيين ارتكبوا عمليات وحشية في فرنسا باسم الإسلام غالبيتهم من شمال أفريقيا (جزائريون ومغاربة وتونسيون). ولا شك أن أوضاعا غير مستقرة في الجزائر هي في مصلحة الإرهاب المتطرف. هذا الهاجس يبقى في أذهان الطبقة الفرنسية الحاكمة التي لا تتمنى الفوضى للجزائر.

لكن العسكريين (والشلة) في السلطة الجزائرية أصروا على ترشيح بوتفليقة حماية لمصالحهم، في حين أنه كان ممكنا تخطي الخلافات للاتفاق على مرشح أكثر إقناعا لشعب مستاء من شبح بوتفليقة، الذي جعل المتظاهرين يثورون على النظام؛ لأنهم مدركون أنه هو الحاكم وليس بوتفليقة المريض.

الوضع الجزائري اليوم هو أولوية لفرنسا.

عن صحيفة الحياة اللندنية