ملفات وتقارير

يوم اللاجئ في فرنسا.. كثير من الإنسانية وقليل من الأمل

رسومات الطلاب اللاجئين حملت بين ألوانها وخطوطها الحنين إلى الوطن- عربي21

لم يكن اليوم الماراثوني الطويل في جامعة مرسيليا-إكس أون بروفانس (جنوب فرنسا)، مجرد لقاء عابر حول الهجرة وتعقيداتها أو معاناة اللاجئين في "القارة العجوز"، بل حملت نقاشات البرنامج العديد من النقاط والفقرات التي تناولت حياة مهاجرين اضطروا لمغادرة أوطانهم بسبب الفقر أو الإضطهاد أو الحروب والمجاعات والأمراض، لكنهم أبدعوا في المنفى، بل أصبحوا جزءاً من النخبة المثقفة أو العلمية أو السياسية في البلد الثاني الذي حضنهم وقدّم لهم ملاذاً آمناً.


إنطلاقاً من هنا، وتحت عنوان "بين البحث والعمل- يوم لدراسة الهجرات الجماعية والاختلافات"، نظّمت مجموعة من طالبات وطلاب الجامعة هذا النشاط، الأربعاء (19 حزيران/ يونيو) بالتعاون مع جمعية AGIR (التي تضم نحو 33 هيئة ومؤسسة لمساعدة المهاجرين في منطقة إكس أون بروفانس الجنوبية).

 

اللافت في هذا النشاط تنوع وكثافة برنامجه، إذ تضمن مداخلات حول مهاجرين أصبحوا علماء وأدباء وفلاسفة وفنانين ومفكرين برعوا في العديد من الأعمال الإبداعية في المنفى. 

مساحة للإبداع


لعل الزاوية الأكثر إثارة لاهتمام الحضور كانت تلك المساحة الصغيرة التي احتضنت معرضا لرسومات بعض طلاب فصل اللغة الفرنسية لدى جمعية AGIR من طالبي اللجوء. رسومات حملت بين ألوانها وخطوطها الحنين إلى الوطن حيث الحروب والمآسي ومصاعب الرحيل ووجع الغياب.

 

أعمال متنوعة من رسم ونصوص شعرية وخواطر وشهادات تشهد على عمق الأزمة التي تعيشها العديد من بلدان العالم العربي وبعض مناطق آسيا وأفريقيا وصولاً إلى أميركا اللاتينية؛ رسم السوري واليمني ويلات الحرب وألم التشرد، والأفريقي رسم الطبيعة المهدورة والإنسان المقموع بفعل سياسات الاستبداد.. كذلك فعل الأفغاني والكردي والأمريكي اللاتيني. كل رسم بالألوان أو كتب نصاً يختصر وجعه وطموحه وهواجس مستقبله. 

 



تجربة ناجحة


"كانت فعاليات ليوم مثير حول الهجرات الجماعية وثقافة الإختلاف من خلال إجراء البحث الميداني مع المهاجرين والعمل الجماعي بين مؤسسات عديدة" مهتمة بهذا الشأن، بحسب ما توضح المتطوعة في جمعية "أجير" كريستيان باتو.


كريستيان التي شاركت في إعداد هذا النشاط تحدثت لـ"عربي21" عن نشاطات ورش الكتابة، التي تنظمها الجمعية لطالبي اللجوء إفساحاً في المجال أمامهم ليعبّروا بالكلمة أو اللون أو الرسم عن معاناتهم، حنينهم لأوطانهم، ألم الغربة ومصاعب الحياة في المنفى.

 

وتؤكد الكشف عن نتاجات الرسومات والفيديو الخاصة بهم وتحليلها من خلال مختصين أكاديميين، منوهة بأهمية الارتباط الذي تم إنشاؤه بين جمعية "أجير" والجامعة بهذه الطريقة و"الذي أثمر تجربة ناجحة ومؤثرة".

 

 

هجرة.. بطالة وإرهاب


في السياق الأكاديمي، تحدث العديد من الأساتذة والطلاب حول جوانب متعددة من الهجرة وتحدياتها ومشكلاتها، بدءاً من كلمة الافتتاح التي ألقاها أستاذ الأدب المقارن في الجامعة الدكتور أليكس نوسيلوفيسي. بعده تناول دنيز الكانيز تجربة المخرج والمنتج السينمائي الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، في فيلمه "باماكو" (2006)، تحت عنوان "مسار مشوش في باماكو لسيساكو". وهو فيلم روائي-وثائقي، حاز الجائزة الكبرى للجمهور في ملتقيات باريس السينمائية. واشتهرسيساكو، ابن مدينة كيفة الموريتانية المقيم في فرنسا، بأعماله السينمائية التي تتناول الصعوبات التي يلاقيها الأفارقة من فقر وهجرة وبطالة وفراغ وإرهاب. 


طالبة الدكتوراةه في الأدب، الناشطة أيضاً لدى جمعية "أجير"، كاميلا ليما، تحدثت عن معاناة "الأمهات في المنفى أو الأمومة المفقودة" عند الأديبة البرازيلية كلاريس ليسبكتور والكاتبة المسرحية، المخرجة الفرنسية مارغريت دوراس، بينما تحدثت أنوشكا موسافو عن المنفى بالنسبة لرشيد ونفيسة في رواية "القبرات الساذجة" للأديبة المخرجة الجزائرية آسيا جبار التي هاجرت إلى باريس وتوفيت فيها.

 

في رواية «القبّرات السّاذجة» تتحدث جبار حول وضعية المرأة المسلمة في الوطن وفي المهجر من خلال شخصيات عديدة، حيث تصوّر الرّواية شخصية «نفيسة»، في الأشهر الأخيرة من الثورة الجزائرية، في معتقل قرب الحدود التونسيّة، وعلاقة الحبّ والصدام التي جمعتها مع شخصية رشيد.

 



في فترة ما بعد الظهر قدّمت الطالبة سابين غامبا ورقة بعنوان "من حديقة الطفولة إلى نشر المساحات والحدود في المسرح عند وجدي معوض" المسرحي اللبناني الذي هاجر إلى فرنسا ومن ثم إلى كندا.


وتحدثت الطالبة أنيسيا تروا-غوي. عن ذكرى المحرقة وتوثيق العنف تاريخياً، وأثره في الهجرة. كما تحدثت مارجولين أونتر إيكير عن "المساحات المختلطة والحدود الأفرو-أوروبية في أعمال إيفا دومبيا" الممثلة الفرنسية من أصل مالي وإيفواري.


من جهته قدّم مهشيد تاجلرو، ورقة بعنوان "قراءة متناقضة لطبيعة النفس في السيرة الذاتية" للروائي الجنوب أفريقي جون ماكسويل كوتزي، الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 2003.

كذلك، كانت هناك مداخلات أخرى طلابية لكل من إيميلي بوير وإيفا راينال وسارة فوك حول الأدب والمنفى والمعاناة والاجتهاد في صناعة الكثير من النجاحات لدى البعض، رغم وجع الغربة وألم الحنين للوطن.


لقد خلق هذا اليوم الماراثوني الطويل انطباعات حزينة وجميلة لكل من شارك فيه، حيث تحدثت لـ"عربي21" كل من سابين غامبا التي وصفت المعرض بـأنه "عبور للفضاء، وتوقف وحشي عند الحدود، ورغبة في أن ننظر قليلاً إلى السماء"، والطالبة إيفا بقولها إن "اجتماع اليوم يذكرنا بالحدود بقدر ما يفرحنا"، فيما اختصرت زميلتها أنيسيا قائلة: "الكثير من الإنسانية، والغرابة والمشاركة. القليل من الأمل، في المُحصّلة".