قضايا وآراء

شمعون بيريز الأب الروحي لمؤتمر البحرين

1300x600
"يجب إجبار العرب على سلام مقابل المساهمة في تطوير القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية كمحفزات لقبول إسرائيل، هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم ذات سوق مشتركة وهيئات مركزية مختارة، على غرار الجماعة الأوربية".

هذه كلمات من كتاب شمعون بيريز "الشرق الأوسط الجديدعام 1993"، وليست مقتبسة من تصريحات جاريد كوشنر، المستشار في البيت الأبيض المكلف من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمبادرة السلام في الشرق الأوسط المعروفة باسم "صفقة القرن".

لا يحتاج المرء كثيراً من البحث كي يكتشف أن هذه الرؤية المختصرة لحل الصراع العربي الإسرائيلي؛ تكاد تكون نسخة مكررة لبعض ما أفصحت عنه تصريحات كوشنر أو جيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط.

وعليه، من السهل أن ندرك أن المستشارين الأمريكيين الذين أعدوا الخطة؛ هم الفريق التنفيذي لرؤية بيريز الذي توفي 2016، لكن روحه ظلت حاضرة في أروقة البيت الأبيض في عهد إدارة ترامب، وقد تم إحياء حلمه الذي لخصه بالقول: "يجب الانتقال من اقتصاد صراع إلى اقتصاد سلام، وحصر المصادر لتطوير بنية تحتية تلائم العصر الجديد من السلام"، وأن "بناء الطرق وتمديد خطوط السكك الحديدية وتحديد المسارات الجوية، سوف يفتح حياة جديدة في الشرق الأوسط".

هكذا يبدو شمعون بيريز هو الأب الروحي لصفقة القرن، بل إن مقارنةً سريعةً لأبرز النقاط التي تناولتها تلميحات كوشنر أو غرينبلات، ستعطي انطباعاً كم كان هؤلاء كسالى، بحيث لم يضيفوا كثيراً لرؤية بيريز.

فقد لخص كوشنر ومساعده صفقة القرن بأنها "مبادرة سلام ستزيل في نهاية المطاف خطوط الفصل في منطقة الشرق الأوسط بأكمله، عبر إدماج إسرائيل في المنطقة".

لكن يقفز سؤال: ما المثير في رؤية بيريز كي تتبناها إدارة ترامب وتعيد إنتاجها؛ عبر صفقة تضحي بالدور الأمريكي المزعوم كراعٍ لعملية السلام في الشرق الأوسط؟ ويبدو الجواب كامنا في رؤية صهيونية ممتدة عبر الزمان على مراحل، ترى أن مفهوم العسكرة لم يعد مجديا لضمان أمن إسرائيل، ويجب اعتماد طريق التكامل والاندماج في محيطها تحقيقاً لأهدافها وبقائها كقوة كبرى.

ومن هنا جاءت نبوءة شمعون بيريز بمشروع الشرق الأوسط الجديد، وملخصها أن "تركيز السلام والتنمية الاقتصادية والتعاون التكنولوجي أفضل لإسرائيل من المزيد من المواجهات والحروب".

أما التحديث الأمريكي لهذه الرؤية وفق صياغة كوشنر، فهو عبارة عن صفقة مبنية على حزمة تنازلات مناسبة للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بعيدا عن الماضي لفتح صفحة جديدة تنعم فيها المنطقة بالأمل والفرص الهائلة".

وعند إجراء اختبار على عينةٍ من الصفقة، وهو البند الأخطر على القضية الفلسطينية وبعض الدول العربية، متمثلا بقضية اللاجئين والعودة، تظهر النتائج دقيقة لدرجة التطابق مع رؤية بيريز. فبينما قامت الإدارة الأمريكية بخطوات عملية لتقويض الإطار الدولي للاجئين وهويتهم، متمثلا بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، من خلال وقف المساعدات الامريكية والتحريض على إنهاء دورها، يرى بيريز أنه بمثل ما ينادي العرب بحل مشكلة اللاجئين، فإن "إسرائيل" لديها لاجئين من البلدان العربية، وأنه من العدالة إيجاد حل عادل ومتوازن وهو توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان التي استقبلتهم، مع الالتزام بتحسين بيئة عيشهم (استراتيجية المساعدات يجب أن تستبدل باستراتيجية إنشاء بنية تحتية)، والمقصود هنا نفس الهدف: إنهاء "الأونروا".

وعلى أبواب عقد مؤتمر البحرين الاقتصادي (25 حزيران/ يونيو) يتضح أن فكرة هذا المؤتمر مستوحاةً من رؤية رئيس "إسرائيل" الراحل، فالإطار العام لصفقة ترامب، وشرق أوسط بيريز، هو اعتماد السلام الاقتصادي مدخلا للسلام السياسي، لهذا نجد بيريز يؤكد في كتابه اهتمام "إسرائيل" بالموارد وعلى رأسها المياه والنفط، ويرى أن "إسرائيل" تمتلك تكنولوجيا فاعلة يمكن أن تساعد في زيادة الإنتاج"، ويشير إلى "الحاجة لتطوير البنية التحتية لتلائم هذا العصر من السلام، وفتح الحدود لتنقل السكان بحرية لتطوير قاعدة الاقتصاد".

وتطبيقاً لهذه الخريطة الاقتصادية الشرق أوسطية، يحاول جاريد كوشنر البناء على فرضية الفصل بين المسارين الاقتصادي والسياسي الذي يعتمد مبدأ الأرض مقابل السلام، وتغليب المسار الاقتصادي وإعطاءه الأولوية كمدخل للمسار الثاني، من خلال إنفاق ما لا يقل عن 65 مليار دولار على الشق الاقتصادي منها، بواقع 25 مليار دولار للضفة والقطاع، و40 مليار دولار لدول الجوار المعنية بالمبادرة (مصر والأردن ولبنان)؛ تساهم الولايات المتحدة بجزء منها، ومعظمها سيكون من أموال دول المنطقة والدول الخليجية. كذلك يضع راسمو مبادرة السلام نصب أعينهم بناء منطقة خالية من الإجراءات الحدودية المعرقلة للتدفق الحر للبضائع؛ لخلق المزيد من الفرص الاقتصادية، بما يخلق تأثيرا في جميع دول المنطقة، وبهذا يمكن أن يتحقق حلم بيريز انطلاقاً من مؤتمر البحرين.