أخبار ثقافية

غسان كنفاني.. بين الأدب والأيديولوجيا وسطوة التاريخ

دعا الكاتب لقراءة جديدة لكنفاني نبتعد فيها عن كل ما هو غير أدبي ودون نزعه تماما من سياقه التاريخي- وكالة وفا

أكثر ما يجرح التاريخ الأدبي لأديب مشهور وله حظوة في قلوب قرائه، هو التاريخ الأيديولوجي لهذه الشخصية، ومدى تأثير هذا التاريخ على حياته الأدبية، وتعاطي هذه القضية مع النتاج الأدبي الذي أحبه الناس.

 

فما بالكم إذا كانت هذه الشخصية هي الأديب الكبير غسان كنفاني، والقضية هي قضيتنا الكبرى القضية الفلسطينية المجيدة. 


منذ تأسيس منظمة التحرير وحتى منتصف الثمانينات، أصبح من المحرم ضمنيا على المبدع الفلسطيني أن يبث همومه العادية الإنسانية التي يمر بها أي كائن بشري، تأثرا بالحركات الأيديولوجية التي عصفت بالقوى الفلسطينية كما عصفت في عالمنا العربي في تلك الحقبة. 

 

لكن لماذا لا نعيد قراءة أدب هذا الرجل؟ وهل ينبغي لنا تكريس تابوهات جديدة في نقدنا لأي ظاهرة مهما كانت؟ أعتقد أن منتج غسان كنفاني كان يحمل الكثير من الوعي، ويثقل بذلك على أكتاف النص الذي لا يستطيع حمله في أغلب الأحيان.


بعمر خمس وثلاثين عاما وبإحدى ضواحي بيروت، عبوة إسرائيلية غادرة زرعت أسفل سيارته الخاصة، كانت كفيلة بإنهاء حياة هذا المناضل العظيم وإنهاء أحلامه التي كانت تطحن روحه ليل نهار، والتي كان أكبرها تحرير فلسطين، وليس أصغرها تشكيل وعي أدبي ومشروع كتابي فلسطيني يتحدى الهوية الإسرائيلية الطارئة.

 

ترك ما يقارب العشرين كتابا، وباستشهاده ارتفعت وحلقت أسطورة الرجل الذي عاش ومات من أجل قضية كبرى، وأصبح الأديب الذي كتب حروفه بدمائه. 


لكن لماذا لا نعيد قراءة أدب هذا الرجل؟ وهل ينبغي لنا تكريس تابوهات جديدة في نقدنا لأي ظاهرة مهما كانت؟ أعتقد أن منتج غسان كنفاني كان يحمل الكثير من الوعي، ويثقل بذلك على أكتاف النص الذي لا يستطيع حمله في أغلب الأحيان.

 

النص الروائي كان يتطور وينضج مرة بعد مرة، متأثرا بالتجارب الروائية العربية والعالمية في ما حوله وخاصة التجربة المصرية. الرواية بحاجة لحالة استقرار حتى تكتمل خيوطها، ورواية كنفاني تحاول شبك وتكوين نسيج روائي يعتمد على الشتات.

 

شخوص الروايات شخوص مشوشة لا يقر لها قرار في تعبير عن واقعهم، ربما تصلح أن تكون هذه الشخوص شخوصا شعرية وأمثولات قصصية تسقط أي مشروع روائي جاد.


إن أهم وأشهر رواية لكنفاني (رجال في الشمس)  تصلح مثالا لما سبق. الرواية أو القصة الطويلة تعتمد على قصة واقعية يعرفها الكثير من شعبنا الفلسطيني، وهي قصة الهروب من الواقع المعاش والتماس باب رزق جديد، وكانت دولة الكويت في تلك الحقبة هي خيار مثالي لهذا الباب، نظرا لتوافد الكثير من الفلسطينيين لهذا البلد.

 

لابد لنا من قراءة جديدة لكنفاني نبتعد فيها عن كل ما هو غير أدبي ودون نزعه تماما من سياقه التاريخي، وبدون نظرة طوباوية لأعماله الأدبية

قصة واقعية عادية فيها الكثير من التداعيات لأبطالها، والذي ينتهي بهم المطاف بالموت في خزان الشاحنة التي ستقلهم تهريبا إلى الكويت، ليبقى السؤال معلقا لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟ هذه هي الطبقة الأولى للقصة والتي حرص على تقديمها لنا كنفاني بأكثر ما تسمح له موهبته الأدبية الكبرى بتقديمها.

 

لكن الطبقة الأعمق في هذه القصة هي الأمثولة القصصية المتعلقة بالعناصر التي تتحكم بمصير الشعب وهي القيادة الانتهازية والعربة التي تمثل طريقة إدارة القضية والشعب الذي هو المواطنين الذين قضوا داخل الخزان. (هذا على أغلب التفسيرات) 


هذه الطريقة في الكتابة تتشابه كثيرا مع قصص نجيب محفوظ التي كتبها في الستينات والتي تنسج قصصا كاملة ولا يكون وراء أبطالها إلا رموزا فلسفية تضع القارئ أمام أسئلة وهواجس نجيب محفوظ الوجودية، وتتركك أمام خيارات تثيرها دائما كلما خطرت ببالك إحدى هذه القصص.

 

هذه المعاني والأسئلة الوجودية لا يحدها زمان ولا مكان وهي باقية ما بقي الإنسان وما بقيت أسئلته. 


لكن أسئلة كنفاني ليست كذلك، إنها ترتبط بالحياة المعاشة وبشخوصها، وبكل ما هو مرتبط بفلسطين. لماذا هناك الكثير مما يمكن أن يقال؟ 


المشروع الأدبي لكنفاني مرتبط بقضية تمثل وجوده، وكأننا لا يمكن لنا أن نشمّ الوردة إلا إذا كانت على شجرتها. وربما تكون الرواية كمشروع عند غسان مشروعا مؤجلا وتزاحمه مشاريع أخرى أكثر أهمية، وفي هذه الرواية بالذات ربما كانت تدور في رأسه كتابة مقال عن فساد القيادة و قلة وعي الجماهير بما سيؤول حالها، فكانت فكرة الرواية وكتابتها لما يمكن أن يؤثر العمل الأدبي في السياق الجماهيري.


وإذا ما أعدنا قراءة رجال في الشمس في هذه الأوقات، فإننا لن نجد بها سوى تلك الأمثولات التاريخية، والتي أصبحت جزءا من الماضي، ولا يمكن قراءتها إلا ضمن السياق التاريخي، فالتغيرات التي طرأت على القضية الفلسطينية أصبحت اكثر تعقيدا وأكثر صعوبة في ظل الظروف الدولية التي تنحاز للآخر بكل وقاحة. 


لا بد لنا من قراءة جديدة لكنفاني نبتعد فيها عن كل ما هو غير أدبي ودون نزعه تماما من سياقه التاريخي، وبدون نظرة طوباوية لأعماله الأدبية.

 

هذا مهم جدا لنا.. مهم أن ننظر لذواتنا من زوايا غير تاريخية، وفي هذه الحالة فقط سيكون كنفاني لبنة أساسية في بناء أدب فلسطيني مهم، سيأتي حينئذ من يهضم هذه التجربة، ويعيد تشكيل الوعي بطرق مبتكرة لا تتنكر للماضي ولكنها تتجاوزه بكل محبة.