كتاب عربي 21

أزمة العقل المتدين!

1300x600

خذ هذه..

عندما كنت أبحث عن "أصل وفصل" الدكتور "أحمد فهمي" رئيس مجلس الشورى بعد الثورة، و"الوافد" الجديد لعالم السياسة بلا مبرر ليس معروفاً لنا، قلت لعضو في المجلس إنني أشك في أنه "إخوان"، وأنه قد يكون ما رفع به لهذا الموقع المهم هو نسبه، وقد أحبط به عمله!

فالجماعة قبل الثورة كانت تحت الميكروسكوب الإعلامي، لاسيما قياداتها، ومن المستحيل أن يكون من قياداتها ولا ترى فيه ما يدفعها لترشيحه لعضوية البرلمان في سنة 1984، أو لبرلمان 1987، أو لانتخابات 2000 الذي بزغ فيه نجم الدكتور محمد مرسي، أو برلمان 2005، الذي عرفنا من خلاله سعد الكتاتني ومحمد البلتاجي وغيرهم!

بيد أن من طرحت عليه وجهة نظري، رد بهدوء العالم ببواطن الأمور:

ـ بل اخوان!

فقلت له وأنا أحاوره: هل تعرفه؟.. لقد نشرت اسمه على "الفيس بوك" وسألت إن كان أحد يعرفه؟ فلم أجد من يتعرف عليه.. قريب، أو بعيد، أو زميل، فمن أين عرفت إنه من الإخوان.. فأجاب إجابة مقتضبة:

ـ قائد الحرس!

ـ أي حرس؟!

ـ حرس مجلس الشورى!


فسألته:

ـ وكيف لقائد حرس مجلس الشورى، أن يعرف من يكون من الإخوان؟ ومن العضو، ومن المحب، والمنتسب؟ هل وزعوا على قائد الحرس قائمة بأعضاء التنظيم؟ ثم كيف لواحد من الإخوان، لدرجة أهليته لهذا التصعيد المباغت لم يتم اعتقاله في أي مرحلة؟

فارتفع صوته قليلاً، وهو يقول:

ـ لقد تم اعتقاله مرة واحدة، وأن من ألقى القبض عليه هو قائد الحرس، ولهذا هو من اختاره قائداً للحرس!

وأدهشتني هذه الروح، التي أوردت الثورة بعد ذلك مورد التهلكة، هل هو القط الذي يحب خناقه؟!

حكاية اللواء خالد ثروت:

لا بأس، سيأتيني الرد بأن الأيام أثبتت أن أحمد فهمي اختيار خاطئ، وجل من لا يخطئ، وأن من أحبط به عمله لا يجوز أن يرفعه نسبه، لكن خذ هذه!

بينما أطالع الأسماء والصور لقائمة المتهمين بمجزرة رابعة، لفت انتباهي هذا الإسم المدون تحت صورته: اللواء خالد ثروت، رئيس جهاز الأمن الوطني!

المدهش أن اللواء الذي يعد من بين المتورطين في جريمة الإبادة الجماعية هذه، تم تصعيده لهذا المنصب في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2012، خلفا للواء مجدي عبد الغفار الذي كان قد بلغ السن القانونية للخروج على المعاش، وقد خرج من الجهاز ليعين نائبا لمدير الأمن بشركة كوكاكولا، قبل أن يقع الانقلاب العسكري فيكلف بمنصب وزير الداخلية!

ماذا يعني هذا التاريخ؟!

لقد كان والرئيس محمد مرسي في الحكم، لكن أيضاً أغلبية أعضاء المجلس العسكري الذين تورطوا في الانقلاب عليه، وشاركوا في المجازر، تم اختيارهم في عهد مرسي، الذي عزل معظم أعضاء المجلس العسكري في عهد طنطاوي، واعتمد أعضاء جدد، كما أنه أطاح بوزير الداخلية اللواء أحمد جمال الدين، الذي ورثه من المجلس العسكري، وعين اللواء محمد إبراهيم بدلا منه، و"إبراهيم" شارك في الانقلاب عليه مع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، فلم يكن له يد في الاختيار، لكنهم ترشيح من وثق الرئيس فيه.

 

هى معاملة رقيقة معروفة بعد انتهاء المهمة لتفريغ شحنة غضب المعتقل، اتقاء لتصفية حسابات خارج السجن، أم أنها قاتلة جداً عبارة "أنا عبد المأمور، فما أن يقولها السجان حتى تنزع ما في القلوب من غل، وإذا الذي بينك وبين عداوة كأنه ولي حميم!


بيد أن وضع اللواء خالد ثروت مختلف، لأن السيسي لم يرشحه، ولم يختره، فهو من ترشيح الإخوان، واختيارهم الحر المباشر.. فأين تعرفوا على اللواء خالد ثروت!

كان اللواء ثروت مسؤول ملف الإخوان بمباحث أمن الدولة، أي أنه من يتعامل معهم ويعد الملفات الخاصة بهم، ويرفعها إلى أعلى، وهو المنوط به إعداد التحريات في القضايا التي يتهمون فيها، ويعد لائحة الاتهام، وهو الذي يشرف على اعتقالهم وتسكينهم في السجون.

عبد المأمور:

وقد تكون السجون مختلفة عما هى الآن، لكن في النهاية فإن اللواء خالد ثروت لم يكن "أخ" يسري فيه القول المأثور: رب فينا وليس منا، ورب منا وليس فينا، وقد سألت عنه بعض الذين سبق اعتقالهم من الجماعة، فقالوا لقد كان هو من يواصل التضييق عليهم في معاشهم بعد تجربة السجن، فهل كانت الغواية من معاملته بعض القيادات بالحسنى، لاسيما بعد الإفراج عنهم: وأنا أسف يا جماعة فلست سوى عبد المأمور!

وهي معاملة رقيقة معروفة بعد انتهاء المهمة لتفريغ شحنة غضب المعتقل، اتقاء لتصفية حسابات خارج السجن، أم أنها قاتلة جداً عبارة "أنا عبد المأمور، فما أن يقولها السجان حتى تنزع ما في القلوب من غل، وإذا الذي بينك وبين عداوة كأنه ولي حميم!

والمشكلة أن القوم نسوا ما حدث معهم، وظنوا أنه الخيار الآمن ما دام شعاره "أنا عبد المأمور"، فقد أصبحوا هم هذا "المأمور"، فحدث الانقلاب وجاء "مأمور" جديد، وإذا بظهرهم مكشوف، وحدود جهدهم معروف، وكل المعلومات الخاصة بهم في يد "عبد المأمور" وكان يعلم أكثر من غيره، أنه بفض رابعة على هذا النحو، لن يكون هناك رد فعل مؤلم من قبل الجماعة، وسينتهي الأمر إلى وضعه في قائمة المتهمين، وهو يدرك أنه إذا استدار الزمن مرة أخرى، فقد يصبح وزيراً للداخلية، فإذا تأخر في استدارته، فقد يستقبل أحفاده بقلوب مفتوحة ترجو رحمة الله. أنت جدك خالد بك.. الفاتحة لروحه!

إنها أزمة العقل المتدين، فقبل سنوات رأينا عاصفة من الحزن على صفحات الصحف، عبارة عن مقالات لمنتسبين للجماعة الإسلامية، وهم ينعون مساعد وزير الداخلية، كما لو كانوا ينعون أمير جماعتهم عندما سألت عن من ينعون ومناقبه العطرة وفتوحاته الدينية، قالوا إنه أحد أمراء التعذيب، ومن الذين شاركوا في التصفيات الجسدية، لكنه في السنوات الأخيرة آمن بأنه لا حل الا بالمصالحة فتبناها، فغفروا له ما تقدم من ذنب وما تأخر.

هل هو القط الذي يحب خناقة؟

لا شأن لي بالقوم وقدرتهم الهائلة على التسامح فيما جرى لهم، لكن يعنيني أنه جر ويلات على الوطن وعلى الثورة، ولعله أطربهم كثيراً أن يجدوا من كان يعتقلهم بالأمس يتودد إليهم اليوم وهم رؤساؤه، لكن في النهاية انتقم مرتين، الأولى ولاء لتاريخه الوظيفي، والثاني لأن الثورة أجبرته على أن يخضع لهم بالقول!

ضحايا هم أم جناة؟