كتب

جرائم أمريكا الكيماوية ما زالت نتائجها قائمة في الفيتنام

الكتاب: أمريكا خسرت 57 ألف قتيل و15330 جريحا و587 أسيرا بين مدني وعسكري في حربها ضد فيتنام - (عربي21)

الكتاب: مذكرات صحفي استقصائي
الكاتب: سيمور م. هيرش، ترجمة وتقديم: د. محمد جياد الأزرقي
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت
الطبعة الأولى، أيار/مايو 2019
(478 صفحة من القطع الكبير)

يواصل الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني عرض فصول كتاب الصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش، كاشفا العديد من خفايا وأسرار السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية، ويركز في الجزء الثاني من قراءته لهذا الكتاب على حرب الفيتنام، والآثار المترتبة عن استخدام السلاح النووي.

استقال من عمله احتجاجا على حرب فيتنام

استقال هيرش من وكالة أنباء الأسيوشييتد برس احتجاجاً على عدم نشر تقاريره حول حرب الفيتنام، وأعد كتاباً أصبح محتواه مادة للتحريض على مقاومة الحرب في فيتنام، لا سيما أن أمريكا أنفقت مع بداية الستينيات من القرن العشرين ما يقرب من 230 مليون دولار خصصتها لبرنامج بحوث الأسلحة الكيماوية والجرثومية.

بعد مرور خمسة عقود تقريباً على نهاية تلك الحرب، لا بد من تذكير القارئ بحقيقة وجود ملايين الفيتناميين وآلاف المحاربين الأمريكيين القدامى وأسرهم، ممن يعانون آثار الحرب الكيماوية التي شنتها الولايات المتحدة في فيتنام. لم تكترث قيادة أمريكا بمستقبل من سينجو من حربها في تلك البلاد، ولكي تمنع الثوار من الاستفادة من كثافة الأشجار كغطاء، ألقت القوات الأمريكية مواد كيماوية لتعرية الغابات وكشف تحركات الثوار والجنود الفيتناميين.

 

إن العنصر الكيماوي المعروف باسم العامل البرتقالي يمثل أحد أكثر التحركات خزياً وعاراً للحرب ضد فيتنام، حيث إنه ما زال حتى الآن يُسَمِّمُ الفيتناميين الذين تعرضوا له وأبناؤهم يولدون بتشوهات خلقية، إضافة إلى عشرات آلاف الجنود الأمريكيين. ورغم مرور هذه المدة الزمنية، فإن ثلاثة ملايين فيتنامي لا يزالون يعانون تأثيرات ذلك السلاح الكيماوي، ولعل نتائج تلك الحرب لا يمكن حصرها. نظراً لأن الولايات المتحدة لم تُعاقب على جريمة قصفها هيروشيما ونكازاكي بالسلاح النووي، فمن الطبيعي أن تستخدم الأسلحة الكيماوية والنابالم في فيتنام، وإذ لم تعاقب، فإنها كررت أفعالها في العراق، بل وأدخلت، قبل ذلك، الأسلحة الكيماوية في الحرب العراقية الإيرانية.

 

الأسلحة الجرثومية والكيماوية


وفي الفصل الثامن سلط المؤلف الضوء على الأسلحة الكيماوية والجرثومية، حيث أمضى أسابيع عديدة وهو يلقي المحاضرات عن كتابه حول الأسلحة الجرثومية والكيماوية CBW، في المكتبات وفي مراكز البحث الأكاديمية متحدثًا عن البحوث التي تجرى حول تلك الأسلحة.

يقول سيمور هيرش: "انضمت مجلة نيويورك تايمز للحملة. طلب مني محرر هناك، لا يحضرني اسمه الآن، أن أكتب مقالة حول الأسلحة الجرثومية والكيماوية لزيادة معرفة  القراء بهذا النوع من الأسلحة. تملكني العجب أنّه منذ ذلك التاريخ لم تهتم التايمز اليومية بالموضوع ولا بكتاباتي. لا بُد من أنه يوجد سبب وجيه للصحف العامة كي تهتم بأي موضوع. في منتصف شهر آذار (مارس) جرت حادثة غامضة أدت إلى نفوق 6400 رأس من الأغنام في شمال ولاية نيفادا، التي تضم ما يقرب من المليون هكتار من الأراضي المخصصة لاختبارات الأسلحة الكيماوية والجرثومية في صحراء نيفادا.. أصر القائد العسكري لحامية دكوي مبدئيا أمام الصحفيين على عدم إجراء أي اختبار في ذلك الأسبوع، وأنّ الجيش لا يتحمل مسؤولية نفوق تلك الأغنام". 

وأضاف: "كان ذلك موقفًا منافيًا للعقل، لكن القليل من رجال الإعلام، ممن ليسوا ضمن العاملين في صحيفتي صولت ليك سيتي الصباحيتين، بدأوا يهتمون بالموضوع ومتابعته. وهكذا بدأت بكتابة مقالتي للمجلة حول نفوق الأغنام، وكيف أنّ الأمر تطلب شهرًا كاملاً قبل أن يعترف الجيش بمسؤوليته عن تلك الحادثة المروعة. لقد غير موقفه هذا بعد أن قدمت قائمة بالحقائق لأحد ممثلي ولاية يوتا في مجلس الشيوخ، وقام أحد العاملين في مكتبه بتسريب تلك الوثيقة لأجهزة الإعلام" (ص 160- 161 من الكتاب).

شرع سيمور هيرش بحثه الاستقصائي عن موضوع رش الغازات السامة والمواد الكيمياوية الحارقة خلال حرب الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام، وساعده في ذلك أصدقاؤه الجدد من داخل عالم CBW لفهم ما عرضه برنامج 60 دقيقة التابع لمحطة تلفزيون "سي بي أس"، الذي يتابعه الملايين من المشاهدين الأمريكيين، حيث عرضت المحطة حلقين عن الجراثيم والغازات في نهاية شهر تشرين أول (أكتوبر) من عام 1968. فكتب مقالة لمجلة بروكريف. 

لم تذكر محطة التلفزيون من صور المواقع ولا أماكن تواجدها، لكنني ذكرت أن جزءا من الفيديو قد تم تصويره من قبل الجيش في مخزن العتاد في بابن بلف، وهو مبنى سري في ولاية آركنسا. لم تشر محطة التلفزيون أنه يوجد على الأقل 251 نفقا تحت الأرض للتجميد، وتُسمى هذه الأنفاق "أكواخ" تقع في محيط منطقة بابن بلف، وتستعمل هذه الأكواخ لخزن العناصر الجرثومية وتجميدها. لم تذكر المحطة كذلك أنّه توجد أماكن لتجميع مئات القنابل زنة 750 باوند خلال ساعات فقط لنشر الآفات المرضية حول العالم. كما أنّها لم تورد شيئاً عن حدوث 3300 طارئا خلال فترة ثماني سنوات في قاعدة فورت دترك، نجم عنها حالة عدوى أصابت أكثر من 500 رجل، توفي ثلاثة منهم، إثنان بمرض الجمرة الخبيثة، كما ورد على لسانه (ص 163 من الكتاب).

 



يمضي المؤلف فيخبرنا عن عرض فيلم أشد انتقاداً في مطلع شهر شباط (فبراير) عام 1969 اسمه الثلاثاء الأول من إعداد محطة "أن بي سي". اعترف معدوه بقيمة برنامج 60 دقيقة، وأخبر المشاهدين سلفاً وبشكل مباشر أن هذا البرنامج لم يُعدّ بالتشاور مع البنتاغون. 

عرض البرنامج شريطاً يزيد القلب خفقانا عن مختبرات تُستعمل فيها الأرانب والفئران للتجريب. كما أظهر جرافات تدفع أغناماً نافقة إلى حفر كبيرة لدفنها قرب حامية دكوي بروفنك. الأكثر أهمية، أن برنامج الثلاثاء الأول كشف أن وزارة الدفاع الأمريكية قد دفعت ملايين الدولارات خلال فترة 6 سنوات إلى معهد سمشونيان في واشنطن، لإجراء بحث حول نماذج هجرة الطيور إلى جزيرة بيكر، التي تمتلكها الولايات المتحدة. وهي جزيرة مساحتها حوالي الميل المربع تبعد مسافة 1700 ميلا إلى الجنوب الغربي من هَنَلُولُو. كان الهدف واضحاً، وهو أن أمريكا تبحث عن مكان آمن في المحيط الهادئ كي تستعمله ميداناً لاختبار فاعلية الأسلحة الجرثومية، حسب قوله.

توصل هيرش إلى حقيقة اكتمال البحوث عن هذه الأسلحة في مختبرات في ماليزيا واليابان وإنكلترا وأيرلندا وكندا والسويد وقبرص وأستراليا وألمانيا وتايوان. كانت قاعدة فورت درك هي المركز الأساسي لبحوث الأسلحة الجرثومية، حيث عمل ما يقارب من 120 عالماً من حملة الدكتوراه في عام 1968، إضافة إلى 400 شخص آخر بدرجات علمية أقل. كما كانت توجد وفرة من العلماء الشباب الراغبين في الحصول على منح من أكاديمية العلوم الوطنية للعمل في مشاريع بحوث غربية في قاعدة درك. وهذه أكبر قاعدة فيها مختبرات تستعمل الكثير من الحيوانات وتقتلها اثناء التحري. 

 

مقتل 720 ألفا من الحيوانات كل سنة


وأظهرت الإحصائيات أنّ "720 ألفا من الحيوانات التي تتفاوت بين خنازير غينيا والقرود قد قتلت خلال عمليات التجريب كل سنة". كما عرفت أنّ "الآلاف من الجنود والمتطوعين قد خضعوا للتجارب رَميا في الهواء. وهي عملية أطلق عليها المعطف الأبيض، وكما علمت بشكل شخصي فإنّ بعض المتطوعين لم تكن لديهم فكرة عن سبب تطوعهم ولم يوقعوا وثائق لذلك الغرض، وأنّهم أخبروا بعد فوات الآوان أنّهم  تعرضوا لشيء ما. أتيح لبعض المتطوعين خيار للتدريب الأساسي قبل الذهاب إلى فيتنام باعتبارهم مساعدين للخدمات الصحية والإسعاف، أو الانضمام لبرنامج المعطف الأبيض.الجراثيم التي تعرضوا لها شملت تولارَميا والحمى الصفراء وحمى وادي رَفت والطاعون (ص 167 من الكتاب).

قالوا للشعب الأمريكي إن حفنة من الجنود جُنَّ جنونهم في قرية فيتنامية تدعى ماي لاي وراحوا يقتلون أهلها بوحشية مريعة بتاريخ 16 آذار (مارس) من عام 1968، انتهى الأمر بسقوط ما بين 347 ضحية و504 ضحايا من النساء والأطفال .

من المعروف أنّ التورط الأمريكي في حرب فيتنام بدأ قبل الإعلان الرسمي لأوّل مرة عن وصول لجان التدريب والاستشارة العسكري في عهد إدارة كندي واستمر في إدارة دجونسُن وبلغ أوجه في إدارة نكسُن، حين امتد القتال إلى لاوس. لنتأمل لحظة تلك الحرب التي بدأت حقيقة بتاريخ 1 تشرين ثاني (نوفمبر) 1955، وانتهت بتاريخ 30 نيسان (أبريل) عام 1975، بانسحاب القوات الأمريكية. بلغت خسائر الفيتناميين خلال سنوات الحرب الثماني: مليون قتيل، 3 ملايين جريح، ما يناهز الـ12 مليون لاجئ.

أما الأمريكيون فقدرت خسائرهم بـ: 57 ألف قتيل، و15330 جريحا، و587 أسيرا بين مدني وعسكري تم إطلاق سراحهم بعد الانسحاب الأمريكي عام 1975.

فرنسا قاتلت بأبناء مستعمراتها

 

وكان جيرالد فورد هو الرئيس في ذلك الحين. لقد أرادت أمريكا أن تحتل الفراغ الذي تركته قوات فرنسا المهزومة في معركة ديان بيان فو عام 1954، قاتلت فرنسا معارك شرسة كان وقودها أبناء مستعمراتها في شمال أفريقيا من الجزائر والمغرب وتونس ومن وسط غرب أفريقيا، خاصة من غينيا وبنين والسنغال وساحل العاج. فعلى سبيل الحصر ساهمت الوحدات العربية التالية في تلك المعركة:
 
الكتيبة الأولى، الفوج الأول المشاة الجزائرية، الكتيبة الثالثة، الفوج الثالث المشاة الجزائري، الكتيبة الخامسة، أفواج السابع المشاة الجزائرية، الكتيبة الأولى، الفوج الرابع المشاة المغربي. 

يُعَدُّ سيمور هيرش ثاني صحفي غربي حصل على تأشيرة دخول إلى فيتنام الشمالية، وأمضى سنة تقريباً وهو يكتب تقاريره ويبعثها من هانوي. زار المناطق التي تعرضت للقصف الشديد وقابل عدداً من المسؤولين الكبار في حكومة فيتنام الشمالية، خاصة ممّن شاركوا في مباحثات السلام في باريس. كما قابل بعض الأسرى من الطيارين الأمريكيين وعددا من الدبلوماسيين الأجانب في العاصمة. كان شديد الحذر فيما كتب ولم يعطِ فرصة لأحد أن يستغل وجوده لأغراض الدعاية. لقد رفض مراراً أن يكون ضيفاً على إذاعة هَانوي واكتفى بمقابلاته وملاحظاته وأسئلته ومناقشاته مع المسؤولين الحكوميين. 

يذكر أنه في إحدى المرات أمضى 15 ساعة "وأنا أناقش هافان لو وهوانك تونك، محرر صحيفة الشمال الرسمية والذي انضم إلى صفوف الثوار وهو في سن 17 عاماً، وجهة نظر هَانوي حول محادثات السلام في باريس. لم يكن هناك تظاهر بأنهما زوداني باقتراح جديد للسلام، بل حقيقة أعطياني معلومات مباشرة. كان هافان لو ضمن الوفد لتلك المفاوضات وذهب وعاد ليشترك في المفاوضات مباشرة مع الوفد الأمريكي برئاسة هنري كيسنجر. فحوى ما علمته هو أن الحكومة الفيتنامية في الجنوب، التي ترأسها في حينه نكون فان ثو، يجب أن تسقط قبل الشروع بأية مفاوضات جادة حول السلام. أعطتني المناقشة فهما ممتازا لطلبات الجانب الآخر الأساسية".

 

إقرأ أيضا: أمريكا.. خفايا وأسرار التمييز العنصري ضد السود وحرب الفيتنام