كتاب عربي 21

قراءة في الانتخابات التونسية

1300x600

حدثان مهمّان لا ينفصلان ميّزا الأيام الأخيرة في المنطقة العربية: أما الأول فيتمثل في نتائج الدورة الأولى من الانتخابات التونسية التي فاز فيها مرشح محسوب على التيار الثوري ومرشح ممثل لدولة الفساد بشكل لم يكن متوقعا. أما الحدث الثاني فيتمثل في تجدد الموجة الاحتجاجية في مصر بشكل يؤهلها لأن تتطور إلى نسق ثوري قد يكون ما بعده مختلفا عمّا قبله. 

العلاقة بين الحدثين مهمّة ومركزية لأن الثورة التونسية والمصرية يمثلان قلب الموجة الثورية الأولى وإن اتخذت كل تجربة مسارا مخالفا للتجربة الأخرى. اتجهت تونس نحو مسار ديمقراطي تعددي يكرس دولة القانون رغم كل المطبات والعثرات التي لا تزال تعيق تحقيق أهداف الثورة أما التجربة المصرية فإنها تحاول استعادة الوضع الذي كان قبل الانقلاب العسكري مستفيدة من عودة الزخم الثوري بقوة. 

المشهد التونسي الجديد

يمثل بلوغ أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية مفاجأة ولو بشكل نسبيّ، وذلك في قدرته على تجميع عدد مُهم من أصوات الناخبين رغم وزن الشخصيات المرشحة والمحسوبة على التيار الثوري. أي أنه شكّل خيار عدد معتبر من التونسيين مقابل شخصيات محمّلة بخطابات ثورية حماسية بشكل يطرح الكثير من التساؤلات عن خلفية هذا التوجه الذي اختاره الناخب في تونس. 

 

الجماهير التونسية عاقبت المسؤولين السياسيين السابقين لأنها تعتبر أداءهم مخيبا للآمال


من جهة مقابلة مُني عدد من المرشحين المحسوبين على التيار الثوري بخيبة كبيرة ومنهم رئيس جمهورية سابق ورئيس البرلمان مرشح حركة "النهضة" وكذلك مرشحون مستقلون مثل حمادي الجبالي أو مرشح التيار الديمقراطي محمد عبو. خيبة أمل هذه الشخصيات يمكن أن تُفسّر أولا بقانون العقاب الجماعي الذي أنزله التونسيون على كل من مارس السلطة أو شغل منصبا خلال السنوات الماضية من عمر المسار الانتقالي. 

الجماهير التونسية عاقبت المسؤولين السياسيين السابقين لأنها تعتبر أداءهم مخيبا للآمال بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي مازلت ترزح تحتها تونس والتي لم تنجح هذه النخب في الحدّ منها. فكل الوعود التي رفعتها هذه الشخصيات لم تكن في الحقيقة إلا شعارات انتخابية كشفت تكالبا على السلطة من ناحية وعجزا عن الفعل من ناحية أخرى.

أما مرشّحو النظام القديم فلم ينجح أغلبهم رغم الضخ الإعلامي الكبير في بلوغ الدور الثاني ورغم الأموال الضخمة التي رصدت لهم والمنصات الإعلامية التي كانت تساندهم. لكن المرشح الوحيد المحسوب على هذه المنظومة إنما نجح بفضل قدرته على فهم آليات العملية الانتخابية باكرا ونجاحه في توظيف الوسيلة الإعلامية واللعب على أفق الانتظار عند الفقراء والمهمّشين. كانت قناة "نسمة" الخاصة المنصّة التي اعتمد عليها في تكوين خزان انتخابي ثابت من الفقراء وأبناء تونس العميقة كما نجح عبر جمعيته الخيرية في كسب عدد كبير من أصوات الناخبين الذين رأوا فيه أملا في الخروج من الفقر والعوز والفاقة. 

المعادلة الجديدة 

صحيح أن الأمر لم يُحسم بعدُ وإن كانت أغلب المؤشرات تؤكد أن مرشح التيار الثوري هو الأوفر حظا في الفوز بالجولة المقبلة لكن ذلك لا يُلغي قدرة مرشح منظومة الفساد على إحداث المفاجأة. هذا الوضع الجديد سيربك المعادلة القائمة التي توزعت على اقتسام السلطة بين مرشح الإسلاميين ومرشح الدولة العميقة في ظل ما سُمي بالتوافق بين المكوّنين الأبرز في المشهد السياسي التونسي. لكن المرشح الثوري القادم من بعيد لا يملك سلطات واسعة من جهة أولى ولا يتوفر على حزام حزبي قادر على معاضدته في مجلس نواب الشعب أو البرلمان بما هو القوة الأساسية في البلاد من جهة ثانية. 

هذا الوضع الجديد سيفرض على الرئيس القادم تقديم تنازلات كبيرة لصالح القوى الفاعلة على الساحة سواء منها المحسوبة على التيار الثوري أو التيار الإسلامي أو ممثلي النظام القديم. هذا الشرط يفرض نفسه بقوة حتى تتجنب البلاد سقوط الحكومات الواحدة تلو الأخرى في ظل سياق انتقالي هش وحالة اقتصادية واجتماعية خانقة. 

 

ورقة الاغتيالات والإضرابات وبث الفوضى وتحريك ورقة الإرهاب لم تعد تؤتي أكلها في تونس


الخطر الأعظم مصدره النظام القديم بكل الأطياف التابعة له من قوميين ويساريين وتجمعيين واتحادات نقابية ورجال أعمال وشبكات إعلامية وغيرها من القوى الحاضرة في كل مفاصل الدولة. هذه المنظومة بدأت مؤخرا في لملمة نفسها وتوحيد قواها من أجل منع استفراد القوى الثورية بالمشهد خاصة إذا نجحت هذه القوى في تقاسم مجلس نواب الشعب مع الإسلاميين. 

لكن من جهة أخرى يبدو السياق الإقليمي والدولي في صالح المسار الانتقالي التونسي بسبب انشغال المنظومة الخليجية الداعمة للانقلابات بالحرب في اليمن والأزمات الأخرى التي تغرق فيها. كما أن القوى الدولية لن تسمح بانحدار المشهد التونسي نحو الفوضى بسبب وقوعه على خطوط التماس مع مشهدين قابلين للانفجار وهما المشهد الليبي والمشهد الجزائري. 

مخارج الانقلابيين

لم تنجح القوى الانقلابية في تغيير المشهد التونسي رغم كل الأموال التي ضختها دولة الإمارات الراعي الرسمي للمشروع الانقلابي في تونس. كما لم تنجح كل الحملات الإعلامية التي شنتها قنوات الدولة العميقة في إلحاق المشهد التونسي بالمشاهد العربية الدامية الأخرى لكن ذلك لا يعني أن المشروع الانقلابي على المسار الثوري قد انتهى. 

لا تبدو النماذج القديمة ممكنة في السياق الجديد خاصة مع تراجع الإسلاميين بشكل عام كما أن ورقة الاغتيالات والإضرابات وبث الفوضى وتحريك ورقة الإرهاب لم تعد تؤتي أكلها في تونس بعد أن انكشفت كل العمليات الإرهابية والاغتيالات والفوضى عن تورط الدولة العميقة فيها بشكل أو بآخر. كما أن هشاشة الوضعين الاجتماعي والاقتصادي لا تسمح بمزيد من المجازفة التي قد تفتح البلاد على المجهول من الاحتمالات المفزعة. 

يبدو الشارع التونسي مدركا لطبيعة المرحلة واعيا بخلفيات الشخوص السياسية والمشاريع الحزبية والمؤامرات الداخلية والخارجية على مُنجزه الثوري. هذا الوعي المتقدم هو الذي يفسر من ناحية أولى نتيجة الانتخابات المفاجئة وهو الذي سيشكل الحصن الأساسي أمام كل المشاريع الانقلابية المقبلة وهو ما سيسمح كذلك للتجربة التونسية بأن تكون قاطرة حقيقية لبقية التجارب العربية الممكنة.