قضايا وآراء

وارتعد الفرعون!

1300x600
نزل بطائرته في يوم الزينة وقد جمع السحرة والملأ من قومه ليستقبلونه في المطار، في مشهد هزلي رخيص، جمع فيه الشيخ والقسيس والكهل والشاب، والطفل الذي يغلبه النعاس ولا يعرف أصلاً لماذا ساقوه إلى هنا ولماذا حَمَلوه صورة الفرعون؛ مصحوبة في ذيلها عبارة "رجل التنمية"، فهو لا يعرف معنى "التنمية"، بل هو أصلاً لا يعرف القراءة، وكل ما يعرفه أن أخاه الذي أكمل تعليمه عاطل بلا عمل، وأباه لا يستطيع تلبية احتياجاته المعيشية، وأمه تصرخ من شظف الحياة وضيق العيش..

لقد جمعوا في استقباله عددا من البسطاء الكادحين الذين يبدو على وجوههم البؤس والشقاء، ولا أدرى إن كان هذا متعمداً ليظهروا أن رجل الشارع الفقير، رغم معاناته، يؤيد هذا الفرعون ولا يعترض على بنائه القصور، بدلاً من أن يجمعوا له عليّة القوم المستفيدين منه، والذين يظهرون معه دائماً في ما يسمونه "مؤتمر الشباب"، أم هؤلاء القوم كانوا نائمين في هذا الوقت المبكر من الفجر، وخشوا إزعاجهم؟! ولكن هؤلاء الغلابة لا ضير أن يفرشوا الأرض ويلتحفوا السماء لساعات طويلة في انتظار وصول الفرعون!!

لقد سافر الفرعون كثيراً منذ أن اعتلى سدة الحكم، ولم يستدع الجماهير لاستقباله، فلماذا استدعاهم هذه المرة؟ يجيب على هذا السؤال الخوف والرعب والقلق الذي انتاب النظام منذ ظهور المقاول الفنان "محمد علي" على الساحة، ويؤكد السخط الشعبي عليه، والذي وصل إلى مؤسسات الدولة ذاتها، فلم يحدث منذ استقبال مبارك عائداً من إثيوبيا بعد نجاته من محاولة الاغتيال؛ أن حشدت الحكومة كامل وزرائها، يزينهم وزير الدفاع ورموز الكنيسة والأزهر، لاستقباله في المطار كما حدث هذه المرة، لنفي هذا السخط الذي يراه الجميع وينكره النظام، ومن المفارقة أن صورة المطار جاءت لتؤكده بشدة ولا تنفيه!

في صورة لا تخطئها العين ولا يكذبها القلب؛ بدا الفرعون بجاهه وسلطانه أقرب للمسكين المتسول لنظرة عطف من هنا أو هناك، أو كلمة إحسان تعينه عما بداخله من خوف وفزع ظهر في عينيه وعلى سمات وجهه، وفي نبرات صوته المرتعش في كلامه غير المتزن، للجماهير وأنه لو طلب تفويضا سيخرج له الملايين..

عاد الفرعون من أمريكا متسلحاً بالدعم الترامبي له، في يوم الزينة اليوم الذي أراده الشعب أن يكون "يوم الخلاص" من الطاغية، أي محلل سياسي قارئ للمشهد جيداً، ولديه خلفية ثقافية، عن ماهية الثورات وطبيعتها، وكيفية سقوط الطغاة عبر التاريخ، يعرف أن استسلام الطاغية لن يكون بهذه السهولة، وأنه سيظل يدافع عن نفسه حتى الرمق الأخير. ولكم في السفاح بشار والطاغية البشير مثلاً، لكن كانت هنالك بعض التسريبات المتعمدة من جهة ما لا نعرفها، وظهور فيديوهات لبعض ضباط في الجيش والشرطة، تروج بأن الجيش سيقوم بانقلاب على السيسي، ويريد غطاء شعبيا مدنيا، ليظهر به أمام العالم وكأنها ثورة شعبية، كما حدث في 30 حزيران/ يونيو عام 2013، وستكون مجرد سهرة مثلها تماماً، وينتهي الأمر ببيان من الجيش يتم فيها عزله، وخاصة أن هناك المادة 200 من الدستور المعدل تتيح له ذلك، وتنص هذه المادة على أن "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد".

وكان لافتاً في تعديلات هذا المادة، تلك الكلمات الفضفاضة المتعلقة بـ"صون الدستور والديمقراطية وحقوق وحريات الأفراد"، والتي رأى بعض المحللين أنه يمكن استغلالها للانحياز إلى جانب المطالب الشعبية التي تجلت في الاحتجاجات الأخيرة، وأنها تعطي غطاءً دستورياً للتدخل من قِبل القوات المسلحة للدعوة إلى مرحلة انتقالية أو انتخابات رئاسية مبكرة عقب عزل السيسي..

ومن المفارقة أن "السيسي" هو الذي أصر على وضع هذه المادة في الدستور أثناء تعديله في نيسان/ أبريل الماضي، ونفخ الإعلام المعارض في هذه الصورة، وأن السحر سينقلب على الساحر، ولعب على هذه النغمة مما عمل على انتشارها بشكل واسع مع فيديوهات "محمد علي" التي تثني على وزير الدفاع "محمد زكي"، مع أنه كان رئيس الحرس الجمهوري إبان حكم الرئيس "محمد مرسي" وحنث بقسمه وخان رئيسه وقبض عليه!!

هذا بخلاف النشطاء على وسائل التواصل الإجتماعي وترديدهم لهذا الكلام عن عمد، وكأن الأمر قد حُسم وقضي الأمر، ولا ندري أكان ذلك بحسن نية أم وراءه جهة ما كانت تدفعهم لتبني هذا الاتجاه؟!

كانت لتلك العوامل أكبر الأثر في رفع سقف التوقعات لدى غالبية الشعب، وغلبت آماله وطموحاته على واقعية المشهد، واختلط الحلم بالحقيقة، فأصيب البعض بالإحباط، وكأن هذا الإحباط واليأس هما ما كانوا يسعون إليه!!

لو نظرنا بموضوعية إلى ما حدث في "جمعة الخلاص" لوجدنا أن الشعب أنجز ما لم يتم إنجازه طيلة الأعوام الستة الماضية، وأنها بداية الخلاص بالفعل. يكفيه فخراً أنه استطاع أن يسقط هيبة الطاغية وأن يسمعه كلمة "ارحل" بأذنيه، وأن يمزق صورته لتداس بالأحذية أمام عينه.. يكفي هذا الشعب فخراً أنه استطاع بفضل الله أن ينزع الخوف من صدره ويبثه في نفس الطاغية ورجاله، فاهتزت أركان النظام وارتعشت مفاصله، للدرجة التي جعلت من العاصمة (القاهرة) ثكنة عسكرية، ممنوع الاقتراب منها أو التصوير، وأغلقت كل الميادين الكبرى والشوارع المؤدية إليها وامتلأت بالحواجز والدبابات، وأغلقت المحطات الرئيسية لمترو الأنفاق، وبدت القاهرة وكأنها مدينة محتلة بقوات عسكرية، إلا منطقة المنصة، في حي "مدينة نصر" المكان المخصص لمظاهرة تأييد للطاغية، والتي أعدوا لها العدة خصيصاً في هذا اليوم لتكون مظاهرة مضادة لـ"جمعة الخلاص"، كما فعل مبارك من قبل أثناء ثورة 25 يناير عام 2011، فكانت تمثيلية هابطة وساقطة، وقديمة عفا عليها الزمان، منذ عهد عبد الناصر. إذ استغلوا عوز الناس وحاجتهم لالتقاط صورة مزيفة لشعبية الطاغية لتصديرها للعالم الذي يعرف أكثر منا أنها غير حقيقية، ويسخر منها، ويعلم أنها إن دلت على شيء، إنما تدل على ذعر الحاكم وخوفه، ولكنه إعلام العسكر الذي تحجّر عند حقبة الخمسينيات من القرن الماضي وتحنط فيه، فلم يدرِ بثورة الاتصالات الهائلة التي حدثت في العالم في التسعينيات، وجعلت منه قرية واحدة من خلال الإنترنت والسوشيال ميديا، التي تنقل الحدث في لحظته ودون تجميل أو تدليس..

لقد أجبروا كل الشركات أن ترسل موظفيها من المحافظات المختلفة بأسلوب الترغيب والترهيب، وشحنوهم في مركبات خاصة، مع إعطاء كل منهم مبلغا من المال، تراوحت الأقاويل أنها ما بين مئة إلى مئتين جنيها، مع وجبة غذائية وعصائر ومياه معدنية، ووزعت عليهم الأعلام المصرية وصور الفرعون، وحينما لم يصل الحشد إلى المطلوب استعانوا بطلبة الكلية الحربية؛ الذين جيء بهم على عجل بزي الكلية! وكان هذا الحشد تحت حماية قوات الجيش والشرطة والطائرات التي تحلق في السماء لحراستهم..

وحضر الفنانون والفنانات، وأقاموا احتفالية غنائية في حب الطاغية عند قبر الجندى المجهول، في نفس الوقت الذي استشهد فيه 19 ضابطاً وجندياً في سيناء على يد الإرهاب الغاشم، وكأنه كان على موعد مع "جمعة الخلاص"!! رقصوا وغنوا على جثامين الشهداء ولم يستحوا ويتوقفوا عن تكملة هذه التمثيلية الهزلية، حتى الإعلام خشي أن يُفسد فرحة هؤلاء (الظهير الشعبي للفرعون) ويعلن خبرا عن الحادث المُفجع، وظل طوال النهار ينقل احتفالية العار وكأن شيئا لم يحدث!!

وكانت كل قوات الجيش والشرطة في حالة استنفار في شوارع القاهرة والمحافظات الأخرى، والتي شهدت هي أيضا ما شهدته العاصمة من غلق الميادين والشوارع أمام الجماهير، لحماية الطاغية والوقوف بجانبه ضد شعبه، بينما لا يأمن جنودنا في سيناء بل يُتركون عراه أمام الإرهابيين بلا أدنى حماية! فحياة الطاغية أهم عندهم من حياة الجنود والضباط، بل أهم من حياة المصريين جميعاً..

الإرهاب الذي كان محتملاً، كما قال السيسي بعد انقلابه العسكري، وأخذ تفويضاً من الشعب لمحاربته، أصبح واقعاً على الأرض، وحقيقة يستمد منه استمراره في سدة الحكم، فهو الفزاعة التي يخيف بها الشعب في الداخل، والذريعة التي يقمع بها معارضوه، وهو الذي يستمد منه التأييد من الخارج لتدعمه في محاربة الإرهاب، ولا ندري ماذا يريد من التفويض الجديد الذي ألمح إليه في المطار!

على كل حال نحن في مرحلة جديدة من الثورة في موجتها الثانية، عبرنا فيها أول خطوة في بداية سقوط الطاغية، وتلك المرحلة تتطلب النفس الطويل. سيظل نظام الطاغية يحكم من خلال القبضة الأمنية المشددة، ولكن القبضة الأمنية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدير دولة إلى أبد الآبدين، ولا يمكن تجميل صورة النظام ببعض المأجورين والانتهازيين والإعلاميين، الذين يهللون للحاكم.. لأي حاكم يجلس على كرسي الحكم، وهم سرعان ما سيغيرون جلودهم عندما يسقط ليرتدوا الثوب الذي يلائم الحاكم الجديد..

حتى الرهان على رضا الخارج، وخاصة ترامب، رهان خاسر؛ لأنه لن يستمر طويلاً طالما لا يحظى بقبول شعبي. وقد رأينا البيانات التي خرجت من الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي لتأكيد حق التظاهر، مما يعطيك مؤشراً واضحاً بأن الفرعون أصبح عبئاً ثقيلاً عليهم. فالقمع لا يجلب الاستقرار، كما عبرت الخارجية الألمانية في بيانها، والتي ألغت مستشارتها "أنجيلا ميركل" لقاءً كان معداً مسبقاً معه، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة..

سيستمر الشعب بالتظاهر ولن يكل أو يتعب، بل سيبدع في تظاهراته، وسيجد أماكن بديلة يخرج فيها بدلاً من تلك الميادين التي طوقوها بالحواجز والدبابات، وسيفاجئهم من حيث لم يحتسبوا.. معركتنا معركة طويلة تحتاج منا لمزيد من الجهد والصبر، الذي سيتعب أولاً سُيهزم، والشعوب عادة تملك الصبر ولديها النفس الطويل ولهذا سوف تنتصر. وكما رأينا في السودان التي استمرت المظاهرات فيها أربعة أشهر إلى أن سقط الطاغية، وفي الجزائر التي لا تزال المظاهرات فيها مستمرة منذ سبعة أشهر، ولم يستطع العسكر إخمادها أو إجهاضها رغم كل محاولاتهم البائسة..

قطار الثورة انطلق في أيلول/ سبتمبر ولن يتوقف بإذن الله إلى أن يصل لمحطته الأخيرة، محطة السقوط العظيم في يوم الخلاص..